
فى لحظات التحول الكبرى لا تكون الحروب وحدها هى الفاصل بل تكون الممرات الحيوية التي تتحكم فى حركة العالم هى العامل الحاسم فى تحديد من يصعد ومن يتراجع وبينما يتصاعد التوتر فى منطقة الخليج يعود الحديث مجددا عن مضيق هرمز باعتباره أحد أهم مفاتيح القوة فى العصر الحديث
الرؤية التي طرحها راي داليو تعيد إلى الأذهان دروس التاريخ حين أشار إلى أن فقدان السيطرة على هذا الممر قد يمثل نقطة تحول كبرى تشبه ما جرى بعد أزمة السويس 1956 حين تراجعت مكانة القوى التقليدية وبدأ نظام دولى جديد فى التشكل
التاريخ يوضح أن السيطرة على طرق التجارة لم تكن يوما مجرد تفصيل بل كانت العمود الفقرى لأى قوة عظمى فمن بريطانيا التى حكمت البحار لعقود طويلة إلى قوى أخرى سبقتها مثل البرتغال وهولندا كانت النهاية تبدأ عندما يتراجع النفوذ على الممرات الحيوية وتفقد الثقة الدولية
اليوم تتجه الأنظار إلى الولايات المتحدة التى تواجه تحديات مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والعسكرية والسياسية خاصة مع تصاعد التوتر مع إيران التى تدرك أهمية هذا الممر وتسعى لاستخدامه كورقة ضغط استراتيجية في صراع النفوذ
تكمن خطورة الموقف في أن نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية تمر عبر هذا الممر ما يجعله شريانا حيويا للاقتصاد الدولي وأي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على المنطقة بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والصناعات الكبرى
المعادلة التي يطرحها داليو تقوم على فكرة بسيطة لكنها عميقة وهي أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على الهجوم بل بقدرتها على الصمود وتحمل الضغوط الطويلة وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول طبيعة الصراعات الحديثة التي لم تعد تحسم بضربة واحدة بل بقدرة الاستمرار وإدارة الأزمات
في هذا السياق تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على إطالة أمد التوتر ورفع كلفته تدريجيا بينما تحاول واشنطن الحفاظ على توازن دقيق بين الردع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون مكلفة سياسيا واقتصاديا
المشهد الحالي لا يمكن فصله عن مؤشرات أوسع تشمل ارتفاع الديون وتزايد الضغوط الاقتصادية وتغير مواقف الحلفاء وهي عوامل تاريخيا كانت تمهد لتحولات كبرى في موازين القوى العالمية
ورغم حدة الطرح الذي يتحدث عن نهاية محتملة لقوة عظمى فإن الواقع أكثر تعقيدا فالنظام الدولي لا يسقط فجأة بل يتغير تدريجيا عبر مراحل تتداخل فيها عوامل القوة والضعف
الخلاصة أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي بل اختبار حقيقي لقدرة القوى الكبرى على إدارة النفوذ في عالم متغير وقد يكون أحد مفاتيح فهم ما إذا كان العالم يتجه نحو استمرار الهيمنة الحالية أو بداية مرحلة جديدة متعددة الأقطاب
ويبقى السؤال مفتوحا هل نشهد لحظة شبيهة بتحولات التاريخ الكبرى أم أن موازين القوى لا تزال قادرة على إعادة إنتاج نفسها في صورة مختلفة



