
اكتسبت زيارة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة أهمية استثنائية، ليس فقط باعتبارها محطة جديدة في مسار العلاقات التاريخية بين مصر وإريتريا، وإنما لكونها تأتي وسط تحولات جيوسياسية متسارعة تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وفي ظل استمرار الجدل حول الاتفاق الذي أبرمته إثيوبيا مع ما يعرف بـ”أرض الصومال” للحصول على منفذ بحري.
ورغم أن البيانات الرسمية ركزت على تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق السياسي والأمني، فإن القراءة الاستراتيجية للزيارة تكشف عن أبعاد أعمق تتعلق بإعادة ترتيب موازين القوى في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية للأمن القومي المصري والعربي.
ارتبطت مصر وإريتريا بعلاقات وثيقة منذ عقود، تقوم على إدراك مشترك لأهمية استقرار البحر الأحمر باعتباره شرياناً حيوياً للتجارة العالمية والأمن الإقليمي.
وقد حرصت القاهرة دائماً على دعم استقرار الدولة الإريترية والحفاظ على وحدة أراضيها، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن أي اضطراب في القرن الأفريقي ستكون له تداعيات مباشرة على الأمن القومي المصري.
كما أن القاهرة تبنت على مدار السنوات الماضية سياسة تقوم على بناء شراكات متوازنة مع دول المنطقة، بعيداً عن سياسات الهيمنة أو فرض النفوذ، وهو ما عزز الثقة المتبادلة بينها وبين أسمرة.
لا يمكن فصل الزيارة عن التطورات التي أعقبت إعلان إثيوبيا توقيع مذكرة تفاهم مع “أرض الصومال” للحصول على منفذ بحري، وهي الخطوة التي أثارت رفضاً صومالياً واسعاً وتحفظات إقليمية ودولية، باعتبارها تمس قضايا السيادة ووحدة الأراضي.
وبالنسبة لإريتريا، فإن أي تحرك إثيوبي يهدف إلى إيجاد موطئ قدم دائم على البحر الأحمر يمثل مصدر قلق استراتيجي، خاصة في ظل التاريخ المعقد للعلاقات بين البلدين والحروب التي شهدتها المنطقة.
ومن هنا، تبدو زيارة الرئيس الإريتري للقاهرة بمثابة رسالة سياسية تؤكد وجود تنسيق بين البلدين تجاه التطورات الإقليمية، وإن كان من غير الممكن الجزم بأن الزيارة جاءت خصيصاً بسبب ملف “أرض الصومال”، إلا أن توقيتها يمنحها دلالات لا يمكن تجاهلها.
تتبنى مصر رؤية واضحة تقوم على دعم استقرار دول البحر الأحمر ورفض أي إجراءات أحادية قد تؤدي إلى زعزعة الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق، يمكن للقاهرة أن تقدم دعماً لإريتريا عبر عدة مسارات، أبرزها: تعزيز التنسيق السياسي والدبلوماسي داخل المحافل الإقليمية والدولية، توسيع مجالات التعاون الأمني وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة ، دعم مشروعات التنمية والبنية التحتية بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي ، تكثيف التنسيق بشأن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ، دعم مواقف الدول التي تتمسك باحترام القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها.
وتدرك القاهرة أن استقرار إريتريا يمثل جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمي، وأن أي اختلال في موازين القوى بالقرن الأفريقي قد ينعكس على حركة التجارة العالمية وأمن قناة السويس.
من الخطأ اختزال الزيارة في إطار الخلافات الإثيوبية الإريترية فقط، فالمشهد الإقليمي يشهد تنافساً متزايداً بين قوى دولية وإقليمية على النفوذ في البحر الأحمر، سواء لأسباب اقتصادية أو عسكرية أو لوجستية.
وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى بناء شبكة من العلاقات المتوازنة مع دول المنطقة، بما يضمن الحفاظ على أمن الممرات البحرية وحماية المصالح العربية والأفريقية بعيداً عن سياسات فرض الأمر الواقع.
أرى أن زيارة الرئيس الإريتري إلى القاهرة تحمل رسالة استراتيجية مفادها أن أمن البحر الأحمر لم يعد شأناً محلياً يخص دولة بعينها، بل أصبح قضية أمن قومي جماعي تتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين الدول المطلة عليه.
كما أن مصر، بحكم موقعها وثقلها السياسي، تدرك أن استقرار القرن الأفريقي يمثل أحد خطوط الدفاع الأولى عن أمنها القومي، ولذلك ستواصل دعمها للدول التي تتمسك بمبادئ احترام السيادة ووحدة الأراضي.
وفي المقابل، فإن أي محاولات لفرض وقائع جديدة عبر اتفاقات أحادية أو ضغوط سياسية قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، وهو ما يجعل الحوار والتعاون الإقليمي الطريق الأكثر أمناً للحفاظ على استقرار البحر الأحمر ومنع تحوله إلى ساحة جديدة للصراعات الدولية.
الخلاصة
تؤكد زيارة الرئيس الإريتري لمصر أن القاهرة وأسمرة تنظران إلى التطورات في القرن الأفريقي من منظور استراتيجي طويل المدى، يقوم على حماية الأمن الإقليمي والحفاظ على استقرار البحر الأحمر.
وبينما تظل الأسباب المباشرة للزيارة في إطار ما تعلنه البيانات الرسمية، فإن توقيتها يعكس حجم التحديات التي تواجه المنطقة، ويبرز الدور المصري كأحد أهم ركائز التوازن والاستقرار في محيطها الإقليمي.



