مقالات وآراء

حين يتحول البيت إلى ساحة نفوذ

بقلم - فيفى سعيد محمود

ليست كل البيوت التي تهدمها الخلافات الزوجية قد هدمها الزوجان وحدهما.

أحيانًا يكون المتفرجون هم أكثر المشاركين تأثيرًا، وأحيانًا يأتي الخراب من أصوات خارج الجدران، لا من القاطنين داخلها.

من أكثر صور الظلم قسوة أن يُحاسَب إنسان على ذنب لم يرتكبه، وأن يتحول إلى هدف لتصفية حسابات قديمة لا علاقة له بها.

فكم من زوجة دخلت بيتًا بعد سنوات من انتهاء قصة أخرى، فإذا بها تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن نفسها أمام اتهامات لم تصنعها، أو مواجهة كراهية لم تكن سببًا فيها.

بعض الأبناء ينشأون محملين بفراغ عاطفي تركه غياب أحد الوالدين، فيبحثون عن تفسير لألمهم.

وحين يعجزون عن مواجهة السبب الحقيقي، يوجهون غضبهم نحو أقرب شخص يمكن تحميله المسؤولية. المشكلة هنا ليست في غضب الابن، بل فيمن يغذيه ويحول الجرح إلى مشروع دائم للانتقام.

والأخطر من ذلك حين يتولى بعض الأقارب مهمة إشعال النيران بدل إخمادها. يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة، يفسرون المواقف وفق أهوائهم، ويزرعون الشكوك، ثم ينسحبون تاركين الزوجين يواجهان آثار ما صنعته أيديهم.

هناك فرق كبير بين النصيحة والتدخل. النصيحة تُقال مرة ثم تترك لصاحب الشأن حرية القرار. أما التدخل فهو محاولة مستمرة للسيطرة على حياة الآخرين، وفرض رؤية خارجية على بيت لا يملكون مفاتيحه ولا يعيشون تفاصيله.

المؤسف أن بعض الأزواج يسمحون لهذه التدخلات أن تصبح حكمًا نهائيًا على زوجاتهم. يسمعون الرواية من الخارج أكثر مما يسمعونها من شريكة حياتهم. يصدقون الظنون أسرع مما يصدقون سنوات العشرة. وكأن الزوجة مطالبة كل يوم بإثبات براءتها من تهم لم تُوجه إليها أصلًا.

العدل داخل الأسرة لا يعني الانحياز للأقارب، ولا يعني الانتصار للأبناء على حساب الحقيقة، ولا يعني السكوت عن الخطأ خوفًا من غضب أحد. العدل يعني أن يُحكم على الناس بأفعالهم لا بالقصص التي تُحاك حولهم، وأن تُمنح كل نفس حقها دون زيادة أو نقصان.

فالبيت الذي تدار شؤونه من الخارج يفقد مع الوقت هيبته واستقراره، والزوج الذي يسمح للآخرين بقيادة دفة حياته الأسرية قد يكتشف متأخرًا أنه خسر أقرب الناس إليه إرضاءً لأشخاص لن يتحملوا نتائج قراراته.

في النهاية، لا يوجد ظلم أشد من أن يقف الإنسان متهمًا في قضية لم يكن طرفًا فيها، ولا قسوة أكبر من أن يُعاقَب على أخطاء غيره، ولا خسارة أفدح من أسرة تتفكك لأن بعض الأصوات الخارجية كانت أعلى من صوت العقل والعدل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock