مقالات وآراء
أمن الطاقة والمياه التحديات الوجودية التي تواجه الاستقرار الإقليمي
دكتور احمد ابراهيم حنفي

يرتبط مفهوم الأمن القومي في العصر الحديث ارتباطا وثيقا بمدى قدرة الدول على تأمين مصادر مستدامة من الطاقة والمياه حيث تحولت هذه الموارد من مجرد الاحتياجات الحياتية والاقتصادية اليومية إلى ركائز أساسية للحفاظ على السيادة والوجود السياسي والاجتماعي وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها الساحتان الدولية والإقليمية تبرز أزمات شح المياه وتأمين إمدادات الطاقة كأكبر التحديات التي تهدد الاستقرار الإقليمي وتدفع بالمنطقة نحو نمط جديد من الصراعات الجيوسياسية التي قد تعيد تشكيل خارطة التحالفات والعداءات بالكامل.
تتجلى أزمة أمن المياه في المنطقة الإقليمية من خلال تقاطع عاملين رئيسيين هما التغير المناخي الحاد والتوزيع غير العادل للموارد المائية العابرة للحدود فالجفاف الممتد وتراجع معدلات الأمطار يضغطان بشكل مستمر على المخزون الجوفي المحدود في حين تستغل بعض دول المنبع مواقعها الجغرافية لفرض سياسات أحادية عبر بناء السدود الضخمة دون التنسيق مع دول المصب مما يتسبب في تراجع حصص المياه التاريخية للدول المجاورة ويهدد بانهيار القطاعات الزراعية وتعاظم أزمات الغذاء والنزوح السكاني الجماعي نحو المدن أو خارج الحدود.
بالتوازي مع المعضلة المائية يشهد قطاع الطاقة تحولات عميقة تعيد صياغة موازين القوى فالصراع العالمي على مصادر الطاقة التقليدية من نفط وغاز طبيعي لا يزال يلقي بظلاله على الاستقرار الإقليمي حيث تتحول ممرات الطاقة الحيوية والموانئ الاستراتيجية والمناطق الغنية بالغاز في البحار والمحيطات إلى ساحات تنافس ساخنة بين القوى الإقليمية والدولية الساعية لتأمين احتياجاتها المستقبلية أو الهيمنة على طرق الإمداد العالمية لتوظيفها كورقة ضغط سياسي واقتصادي في الأزمات الدولية.
إن هذا التداخل المعقد بين ملفي الطاقة والمياه يخلق حلقة مفرغة من التحديات الوجودية حيث يتطلب إنتاج المياه الصالحة للاستخدام عبر محطات التحلية الضخمة كميات هائلة من الطاقة وفي المقابل تحتاج عمليات استخراج وتكرير وتوليد الطاقة التقليدية إلى كميات وافرة من المياه مما يضع صانع القرار السياسي أمام خيارات استراتيجية صعبة تتطلب موازنة دقيقة لضمان عدم انهيار أحد القطاعين على حساب الآخر في وقت تتزايد فيه الضغوط السكنية والاقتصادية بشكل مطرد
يتطلب الخروج من هذه المعضلة الوجودية والانتقال نحو حالة من الاستقرار الإقليمي المستدام تبني رؤية سياسية ودبلوماسية جديدة تقوم على تحويل هذه التحديات المشتركة إلى فرص للتعاون الإقليمي عبر إبرام اتفاقيات ملزمة وشاملة لتقاسم المياه العابرة للحدود والاستثمار الجماعي في مشاريع الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وربط شبكات الكهرباء الإقليمية لتبادل الفائض مما يسهم في بناء الثقة المتبادلة وتقليل احتمالات الصدام العسكري والسياسي مستقبلا ليبقى الاستقرار رهينا بمدى إدراك الحكومات أن أمن الموارد لم يعد شأنا داخليا بل هو قوام الأمن الجماعي المشترك في الإقليم.



