
كثيرًا ما تكشف المواقف البسيطة حقائق لا تظهرها سنوات من العلاقات ومن بين هذه المواقف ما رواه لي أحد الأصدقاء مؤخرًا.
فقد أخبرني أن شخصًا كانت بينهما علاقة طيبة وكان يظنه من أهل الود والوفاء طلب منه أن يعيد إليه هدية سبق أن أهداها له منذ فترة. ولم يكن الطلب متعلقًا بحاجة ملحّة أو ظرف استثنائي بل كان طلبًا مباشرًا لاسترداد ما خرج من يده طواعية واختيارًا.
وأعترف أنني أثناء استماعي إلى تفاصيل الموقف تأثرت كثيرًا وشعرت بقدر من الضيق والحزن رغم أنني كنت مجرد مستمع للقصة فقد بدا واضحًا حجم الألم الذي تركه هذا التصرف في نفس صاحبه وإذا كان هذا هو شعوري وأنا أسمع الحكاية فقط فكيف كان شعور الرجل الذي وُضع في هذا الموقف المحرج والمؤلم؟ وكيف يكون وقع الأمر على من ظن أن الهدية كانت رسالة مودة صادقة ثم اكتشف أنها قابلة للاسترداد عند أول خلاف أو تغير في النفوس؟
وبعد أن استمعت إلى هذه الحكاية أثار الأمر فضولي لمعرفة رأي الدين في مثل هذا الموقف. وتساءلت هل تطرق الإسلام إلى مسألة الرجوع في الهدية؟ وبالبحث وجدت أن الشرع قد تناول هذه القضية بوضوح ووضع لها حكمًا يرسخ قيم الكرم والمروءة بين الناس.
ولم يخطر ببالي أن أجد في السنة النبوية وصفًا بهذه القوة والوضوح يبين قبح هذا الفعل ويغلق باب التهاون فيه فجاء قول النبي صلى الله عليه وسلم “العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه” رواه البخاري ومسلم.
وهو تشبيه شديد يوضح قبح الرجوع في العطية بعد أن خرجت من يد صاحبها ويؤكد أن الهدية رسالة محبة وتقدير وأن تمام المروءة أن يعطي الإنسان بكرم دون أن يطالب بما وهب.
إن بعض المواقف تكشف معادن الناس أكثر مما تكشفه سنوات طويلة من العلاقات. وقد تكون الخسارة الحقيقية ليست في الهدية التي تُسترد وإنما في الصورة التي تسقط من النفوس عندما يتراجع أصحابها عن معاني الكرم والوفاء.
قد تكشف المواقف البسيطة حقائق لا تكشفها سنوات من العلاقات وتبقى الأخلاق هي المعيار الحقيقي لقيمة الإنسان. فليس كل ما يعود إلى صاحبه يُعد مكسبًا وليس كل ما يخرج من أ
يدينا يُعد خسارة.



