
لم تكن ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013 مجرد حراك شعبي واسع النطاق أنهى عامًا من الاضطراب السياسي، بل مثلت، وفقًا لكثير من المحللين والباحثين، لحظة فارقة أعادت صياغة مسار الدولة المصرية، ومهدت الطريق لمشروع سياسي وتنموي شامل عُرف لاحقًا باسم “الجمهورية الجديدة”.
ففي ذلك اليوم، خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين، في مشهد غير مسبوق، مطالبين باستعادة الدولة الوطنية والحفاظ على هويتها ومؤسساتها، في مواجهة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كانت تهدد استقرار البلاد ووحدتها.
مثلت السنوات التي أعقبت ثورة 30 يونيو مرحلة انتقالية بالغة الأهمية، لم تقتصر على استعادة مؤسسات الدولة لقدرتها على العمل، بل امتدت إلى إعادة بناء هذه المؤسسات وفق رؤية تستهدف تحديث البنية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية للدولة المصرية.
وبدأت الدولة المصرية، منذ عام 2014، تنفيذ استراتيجية شاملة لإعادة تأسيس البنية التحتية، وتطوير المؤسسات، وتعزيز مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، وهو ما أطلق عليه لاحقًا “مشروع الجمهورية الجديدة”، الذي يقوم على فكرة بناء دولة عصرية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
أدركت الدولة المصرية أن تحقيق التنمية لا يمكن أن يتم دون استعادة الأمن والاستقرار، ولذلك شهدت السنوات الأولى بعد ثورة 30 يونيو جهودًا مكثفة لمكافحة الإرهاب، خاصة في شبه جزيرة سيناء، بالتوازي مع تعزيز قدرات القوات المسلحة وأجهزة الأمن.
وقد أسهمت هذه الجهود في تهيئة المناخ المناسب لإطلاق مشروعات التنمية الكبرى، وجذب الاستثمارات، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، بما وفر البيئة اللازمة لانطلاق مشروع الجمهورية الجديدة.
لعل أبرز ما يميز الجمهورية الجديدة هو حجم المشروعات القومية التي أطلقتها الدولة خلال العقد الأخير، والتي شملت تطوير شبكة الطرق والكباري، وإنشاء المدن الذكية الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة.
كما شهدت مصر طفرة غير مسبوقة في قطاعات النقل والطاقة والإسكان والمرافق، الأمر الذي انعكس على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ورفع كفاءة البنية الأساسية للدولة.
لم يقتصر مشروع الجمهورية الجديدة على تشييد الطرق والمدن والمنشآت، بل ركز بصورة أساسية على الاستثمار في الإنسان المصري، من خلال إطلاق المبادرات الصحية الكبرى، وتطوير منظومة التعليم، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
وشهدت مصر خلال السنوات الماضية تنفيذ مبادرات نوعية، أبرزها القضاء على فيروس سي، ومشروع التأمين الصحي الشامل، ومبادرة “حياة كريمة”، التي تعد أكبر مشروع تنموي واجتماعي في تاريخ الريف المصري، مستهدفة تحسين حياة عشرات الملايين من المواطنين.
أسهمت ثورة 30 يونيو أيضًا في إعادة صياغة السياسة الخارجية المصرية، حيث انتهجت القاهرة سياسة تقوم على تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز دورها الإقليمي، واستعادة مكانتها التقليدية كفاعل رئيسي في محيطها العربي والإفريقي والدولي.
وقد انعكس ذلك في تنامي الدور المصري في ملفات إقليمية متعددة، من بينها القضية الفلسطينية، والأزمة الليبية، وأمن البحر الأحمر، والتعاون الإفريقي.
يرى العديد من الخبراء أن مفهوم الجمهورية الجديدة يتجاوز كونه شعارًا سياسيًا، ليعبر عن مشروع دولة متكامل يستهدف بناء نموذج تنموي حديث، قائم على التنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، والحوكمة، والتحول الرقمي، وتعزيز دور الشباب والمرأة.
وبينما تختلف الرؤى السياسية حول تقييم بعض السياسات أو الأولويات، فإن ثمة اتفاقًا واسعًا على أن ثورة 30 يونيو شكلت نقطة تحول رئيسية في تاريخ الدولة المصرية المعاصر، وأنها كانت البداية الفعلية لمسار إعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق مشروع الجمهورية الجديدة.
الخلاصة
بعد مرور أكثر من عقد على ثورة 30 يونيو، تبدو ملامح الجمهورية الجديدة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فالثورة التي بدأت كشعار لاستعادة الدولة، تحولت إلى مشروع وطني شامل لإعادة بنائها وتحديثها، في تجربة لا تزال تتكشف فصولها، لكنها ستظل، بلا شك، واحدة من أهم المحطات الفارقة في التاريخ المصري الحديث.



