
في توقيت بالغ الحساسية تشهده منطقة الشرق الأوسط، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر، لتؤكد مجددًا أن القاهرة باتت لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي، وأن أي تحرك دولي جاد تجاه أزمات المنطقة يمر أولًا عبر الدولة المصرية.
فالزيارة التي تحمل في ظاهرها أبعادًا سياسية واقتصادية ودبلوماسية، تتجاوز في حقيقتها إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتعكس إدراكًا فرنسيًا متزايدًا لحجم الدور المصري في إدارة ملفات الشرق الأوسط المعقدة، سواء فيما يتعلق بالأوضاع في غزة، أو أمن البحر الأحمر، أو التوترات الإقليمية المتصاعدة التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها.
تأتي زيارة ماكرون في وقت يمر فيه الشرق الأوسط بحالة غير مسبوقة من التوتر، مع استمرار التصعيد في عدة جبهات، وتصاعد المخاوف الدولية من اتساع رقعة الصراع وتأثيره على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.
ومن هنا، فإن توقيت الزيارة يحمل دلالات بالغة الأهمية، خاصة أن فرنسا، مثل بقية الدول الأوروبية، تدرك أن أي انفجار واسع في المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على القارة الأوروبية، سواء عبر موجات الهجرة أو اضطراب أسواق الطاقة أو تهديد خطوط الملاحة الدولية.
وفي هذا السياق، تبدو القاهرة بالنسبة لباريس شريكًا لا غنى عنه، نظرًا لما تمتلكه مصر من ثقل سياسي وعسكري، فضلًا عن قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.
العلاقات المصرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة شهدت تطورًا ملحوظًا، لم يعد يقتصر على التعاون الاقتصادي أو صفقات التسليح، بل امتد إلى مستوى أعمق من التنسيق السياسي والاستراتيجي.
وتدرك باريس جيدًا أن مصر تلعب دورًا رئيسيًا في جهود التهدئة واحتواء الأزمات، خصوصًا في الملف الفلسطيني، وجهودها فى انهاء الحرب على ايران ، إلى جانب دورها المحوري في حماية أمن البحر الأحمر وقناة السويس، باعتبارهما شريانًا حيويًا للتجارة العالمية.
كما أن التنسيق بين القاهرة وباريس يشمل ملفات مكافحة الإرهاب، وأمن شرق المتوسط، والتعامل مع تداعيات الأزمات في ليبيا والسودان، وهي ملفات تمثل مصدر قلق مباشر للمصالح الأوروبية والفرنسية.
زيارة ماكرون تعكس أيضًا تقديرًا فرنسيًا واضحًا لأهمية الدور المصري في حفظ التوازن الإقليمي. فالقاهرة استطاعت خلال السنوات الأخيرة أن تفرض نفسها كطرف قادر على الجمع بين القوة العسكرية والتحرك الدبلوماسي الهادئ، وهو ما منحها مساحة واسعة من التأثير الإقليمي والدولي.
كما أن التحركات المصرية الأخيرة، سواء على المستوى العربي أو الدولي، أكدت أن القاهرة تسعى إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى، بما يعزز من قدرتها على حماية مصالحها ودعم استقرار المنطقة.
ولا يمكن فصل زيارة الرئيس الفرنسي عن حالة الحراك الدبلوماسي النشط الذي تشهده مصر مؤخرًا، سواء من خلال الاتصالات السياسية المكثفة أو اللقاءات مع قادة الدول العربية والغربية، في إطار سعي القاهرة إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع.
الزيارة تحمل كذلك أبعادًا اقتصادية مهمة، في ظل رغبة فرنسية في تعزيز التعاون مع مصر في مجالات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية، والاستثمار، خاصة مع إدراك الشركات الأوروبية أن السوق المصرية أصبحت واحدة من أهم الأسواق الواعدة في المنطقة.
إلى جانب ذلك، تسعى باريس إلى الحفاظ على شراكتها الدفاعية مع القاهرة، باعتبار مصر أحد أهم شركائها العسكريين في الشرق الأوسط، وهو ما يفسر استمرار التعاون في مجالات التسليح والتدريب وتبادل الخبرات.
في تقديري، فإن زيارة ماكرون للقاهرة تؤكد حقيقة باتت واضحة للجميع، وهي أن مصر استعادت موقعها كرقم صعب في معادلات الشرق الأوسط، وأن القوى الدولية باتت تدرك أن استقرار المنطقة لا يمكن تحقيقه دون تنسيق مباشر مع القاهرة.
كما أن الزيارة تكشف عن إدراك أوروبي متزايد بأن مصر ليست مجرد دولة محورية بحكم الجغرافيا فقط، بل لأنها تمتلك أدوات التأثير السياسي والعسكري والدبلوماسي التي تجعلها قادرة على لعب دور الوسيط وصانع التوازن في آن واحد.
وفي ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وتحالفات متبدلة، تبدو القاهرة اليوم أكثر حضورًا في المشهد الإقليمي والدولي، ليس عبر الخطابات فقط، وإنما من خلال تحركات واقعية تؤكد أن الدولة المصرية عادت لتكون مركزًا رئيسيًا في صناعة القرار والتوازن بالمنطقة.



