
تعكس زيارة رئيس مجلس النواب الليبى عقيلة صالح إلى مصر، وحضوره جلسة داخل مجلس النواب المصرى، عمق العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة وطرابلس، كما تكشف عن مرحلة جديدة من التنسيق السياسى والبرلمانى بين البلدين فى ظل التحديات المتصاعدة التى تواجه المنطقة.
فالزيارة لم تكن بروتوكولية فقط، وإنما حملت رسائل سياسية وأمنية واضحة، تؤكد استمرار الدور المصرى المحورى فى دعم استقرار الدولة الليبية والحفاظ على وحدة مؤسساتها الوطنية، فى وقت تمر فيه ليبيا بمرحلة شديدة الحساسية على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
اكتسبت الزيارة أهمية خاصة مع انعقاد جلسة داخل مجلس النواب المصرى بحضور رئيس البرلمان الليبى، وهو ما يعكس مستوى التقدير الرسمى والسياسى الذى توليه القاهرة للمؤسسة التشريعية الليبية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للحفاظ على وحدة الدولة الليبية.
كما أن هذا المشهد البرلمانى يحمل دلالات مهمة، أبرزها تأكيد الدعم المصرى للمسار السياسى الليبى القائم على المؤسسات الوطنية الشرعية، ورفض أى محاولات لتفكيك الدولة أو فرض حلول خارج الإرادة الوطنية الليبية.
الزيارة تأتى فى توقيت إقليمى شديد التعقيد، مع استمرار حالة الانسداد السياسى فى ليبيا، وتعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، إلى جانب استمرار التدخلات الخارجية فى الشأن الليبى.
ومن هنا، فإن اللقاءات التى جرت فى القاهرة عكست حرص مصر على الدفع نحو حل سياسى شامل يضمن:
الحفاظ على وحدة الأراضى الليبية ، دعم المؤسسات الوطنية الشرعية، إنهاء حالة الانقسام السياسى، إخراج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة، التمهيد لإجراء الانتخابات الليبية.
كما تؤكد الزيارة استمرار التنسيق المصرى الليبى فى مواجهة محاولات تحويل الأراضى الليبية إلى ساحة صراع إقليمى أو نقطة تهديد للأمن القومى العربى.
الملف الأمنى كان حاضراً بقوة خلال الزيارة، خاصة أن استقرار ليبيا يرتبط بصورة مباشرة بالأمن القومى المصرى، فى ظل الحدود المشتركة الطويلة بين البلدين.
وقد شهدت السنوات الماضية تعاوناً واسعاً بين القاهرة والسلطات الليبية فى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وعمليات تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية، وهو ما جعل التنسيق الأمنى بين البلدين ضرورة استراتيجية وليست مجرد تعاون عابر.
كما أن مصر تنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره جزءاً أساسياً من استقرار منطقة شمال أفريقيا بالكامل، وهو ما يفسر التحركات المصرية المستمرة لدعم مؤسسات الدولة الليبية.
الزيارة حملت كذلك أبعاداً اقتصادية مهمة، خاصة مع الحديث المتزايد عن إعادة إعمار ليبيا، وعودة الشركات المصرية للمشاركة فى مشروعات البنية التحتية والطاقة والإسكان داخل الأراضى الليبية.
وتملك مصر خبرات كبيرة فى مجالات التشييد والتنمية، وهو ما يجعلها شريكاً رئيسياً فى أى خطة لإعادة بناء ليبيا خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً فى ظل العلاقات التاريخية والتداخل الشعبى والاقتصادى بين البلدين.
انعقاد جلسة بحضور رئيس البرلمان الليبى يعكس أيضاً تصاعد دور الدبلوماسية البرلمانية فى دعم العلاقات العربية، حيث أصبحت البرلمانات تلعب دوراً مكملاً للتحركات السياسية والدبلوماسية التقليدية.
ويؤكد هذا المشهد وجود رغبة مشتركة فى تعزيز التنسيق التشريعى والسياسى بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الاستقرار الإقليمى.
فى تقديرى ، زيارة رئيس البرلمان الليبى إلى القاهرة لم تكن مجرد لقاء سياسى عابر، بل رسالة واضحة بأن مصر ما زالت تتحرك بثبات لدعم الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية، انطلاقاً من رؤية تعتبر أن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة بأكملها.
كما أن انعقاد جلسة بمجلس النواب المصرى بحضور رئيس البرلمان الليبى يعكس مستوى الثقة والتنسيق بين الجانبين، ويؤكد أن القاهرة لا تزال تمثل نقطة ارتكاز رئيسية فى أى تحرك عربى أو إقليمى يستهدف إعادة الاستقرار إلى ليبيا وإنهاء سنوات الفوضى والانقسام.



