صحف وتقارير

زلزال المضايق والأساطيل فهكذا يُعاد رسم موازين القوى وصياغة العالم

كتبت/ منى منصور السيد

 

تتشابك خيوط المشهد الجيوسياسي العالمي لتكشف عن مرحلة تاريخية استثنائية من مخاض ولادة نظام دولي جديد، تتعدد فيه الأقطاب وتتداخل في ساحاته الحسابات العسكرية بالمعادلات الاقتصادية والمناورات الدبلوماسية. ولم تعد الصراعات المعاصرة مجرد مواجهات عسكرية معزولة في جغرافيا محددة، بل تحولت إلى شبكات معقدة من الضغوط المتبادلة وحروب الاستنزاف الشاملة التي تبدأ من عمق المضايق البحرية الاستراتيجية لتلقي بظلالها على صناديق الاقتراع ومستويات التضخم في عواصم القرار العالمي. وتتجلى هذه الديناميكية بوضوح في جبهات ثلاث تشكل معاً ملامح الحسم لمستقبل موازين القوى الدولية: الشرق الأوسط، والمحيط الهادئ، والعمق الأوروبي.

يقف مضيق هرمز اليوم شاهداً على نمط متطور من حروب الاستنزاف الاقتصادي والنفسي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تتجاوز المواجهة حدود الاشتباك العسكري التقليدي لتتحول إلى معركة كسر إرادات مستمرة. وتكشف الأرقام الفلكية لكلفة العمليات العسكرية الأمريكية، والتي بلغت عشرات المليارات من الدولارات دون احتساب الدعم اللوجستي المستدام للحلفاء، عن عبء استراتيجي ثقيل لم يعد الداخل الأمريكي قادرًا على تحمله بمعزل عن التجاذبات السياسية الداخلية. إن هذا الإنفاق الضخم، المتزامن مع تضخم قطاع الطيران وارتفاع أسعار الوقود، بات يمثل عاملاً حاسماً في تشكيل مزاج الناخب الأمريكي، مما يهدد الاستقرار السياسي للإدارة الحالية. وفي المقابل، تحولت المناورات الدبلوماسية الإيرانية والمقترحات المضادة بوقف الحصار البحري مع تجنب فتح ملف التخصيب النووي إلى أداة للتفاوض تحت الضغط، وهي المناورة التي تصطدم برفض أمريكي قاطع يرى في حرب التصريحات والتخويف سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن القوة الصلبة لفرض شروط إذعان تتناول جوهر البرنامج النووي وإعادته إلى النسب العالمية الآمنة.

وفي الوقت الذي تنشغل فيه واشنطن باحتواء أزمات الشرق الأوسط، يبرز الصعود البحري الصيني ككابوس استراتيجي يقض مضاجع مخططات الهيمنة الأمريكية المنفردة. وإذا كانت القوة العسكرية الشاملة تضع الصين في مرتبة تالية بعد الولايات المتحدة وروسيا، فإن التفوق العددي والنوعي المتسارع لأسطولها البحري يمنحها الصدارة العالمية في القوة البحرية، تماشياً مع الأدبيات العسكرية الكلاسيكية التي تؤكد أن من يسيطر على البحار يمتلك مفاتيح النفوذ العالمي الأكبر. ولا ينفصل هذا الصعود العسكري عن الجدول الزمني للتفوق الاقتصادي المتوقع لبكين بحلول نهاية العقد الحالي، وهو ما تجسد عملياً في الاضطرار الأمريكي الأخير لطلب الوساطة الصينية في الملف الإيراني. هذا النفوذ المتنامي يجد ساحة اختباره الحقيقية في جبهة تايوان، الملف الأكثر قابلة للاشتعال عالمياً، حيث تنظر العقيدة السياسية والعسكرية الصينية إلى الجزيرة بوصفها حقاً تاريخياً مؤجلاً الاستعادة، وتتحرك قطعها البحرية في بحر الصين الجنوبي ليس لمجرد المناورة، بل كتمهيد استراتيجي لمعركة حسم سيادية وتكنولوجية كبرى تسيطر عبرها على مفاصل صناعة أشباه الموصلات في العالم.

وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يعيش العمق الأوروبي حالة من الغليان الصامت والقلق السياسي الناتجة عن تآكل الشرعية التقليدية للأحزاب الحاكمة تحت وطأة الضغوط المعيشية وأزمات الطاقة المتلاحقة. ولم يعد المشهد السياسي في بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا حكراً على القوى التاريخية الكبرى؛ إذ تشهد العواصم الأوروبية تراجعاً ملحوظاً في شعبية القيادات التقليدية لصالح قوى سياسية صاعدة من اليمين واليسار الجديد وحركات الخضر. يعكس هذا التحول البنيوي حالة من عدم اليقين المستقبلي، حيث يعاد رسم الخريطة السياسية للقارة العجوز بناءً على أولويات المواطن الاقتصادية والأمنية المحلية، مما يضعف من قدرة الاتحاد الأوروبي على صياغة سياسة خارجية موحدة وقوية تجاه الأزمات الدولية الراهنة. إن هذا الترابط العضوي بين سعر وقود الطائرات، ونسب تخصيب اليورانيوم، وتحركات الأساطيل في المحيط الهادئ، يعلن صراحة عن انتهاء عصر القطبية الواحدة والدخول في مرحلة التعددية القطبية، حيث تصاغ القوانين الجديدة للعالم عبر توازنات القوة الصلبة والمرونة الاقتصادية الشاملة.

زلزال المضايق والأساطيل فهكذا يُعاد رسم موازين القوى وصياغة العالم

زلزال المضايق والأساطيل فهكذا يُعاد رسم موازين القوى وصياغة العالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock