الرقص مع الشيطان: عندما تصبح البراغماتية السياسية تذكرتًا للانهيار
دكتور احمد ابراهيم حنفي

في دهاليز السياسة الدولية، لا توجد مبادئ ثابتة بل مصالح متغيرة. ومع ذلك، هناك خط رفيع يفصل بين “المناورة الذكية” وبين السقوط في هاوية التحالفات الانتحارية. هذا الخط هو ما يُعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بـ “الرقص مع الشيطان”؛ استراتيجية تتبعها الأنظمة أو القوى السياسية عندما تقرر، بوعي أو تحت ضغط الحاجة، بناء تحالفات مع قوى راديكالية، أو تنظيمات مارقة، أو قوى إقليمية ودولية معادية، ظنًا منها أنها تستطيع اللعب بأوراق اللعبة دون أن تحترق بها.
التاريخ القريب والبعيد يثبت حقيقة واحدة: في هذا النوع من الرقص، الشيطان هو دائمًا من يحدد الإيقاع، والنهاية الحتمية تكون دائمًا لصالح الطرف الأكثر دهاءً والعديم الأخلاق.
فلسفة “الرقص السياسي”: المقامرة بالثوابت
تبدأ عملية “الرقص مع الشيطان” عادةً بمسوغات يغلفها مظهر “الواقعية السياسية” (Realpolitik). يبدأ صُناع القرار في إقناع أنفسهم وشعوبهم بأن مقتضيات المرحلة تتطلب “تجرع السم” أو فتح قنوات اتصال مع الخصوم التاريخيين أو القوى الظلامية لتحقيق هدف مؤقت:
مواجهة خطر داهم أكبر: كأن تتحالف دولة مع تنظيم متطرف لإضعاف نظام مجاور.
البحث عن شرعية مفقودة: بالاعتماد على دعم قوى خارجية مستبدة لتثبيت أركان الحكم.
تحقيق مكاسب اقتصادية أو عسكرية سريعة: بغض النظر عن الكلفة السيادية على المدى الطويل.
هذه الفلسفة تقوم على وهم قاتل: وهم السيطرة. تعتقد الأنظمة أنها تمتلك من الذكاء والأدوات ما يمكنها من استخدام “الشيطان” كمجرد أداة تكتيكية، ثم التخلص منه بمجرد انتهاء المهمة. لكن ما يحدث على أرض الواقع هو العكس تمامًا؛ فالقوى “المرنة” أو “المارقة” لا تقبل بدور الأداة، بل تخترق مفاصل الدولة التي تحالفت معها، وتتحول من تابع إلى متبوع.
شواهد من التاريخ: كيف انقلب السحر على الساحر؟
إذا تصفحنا كتاب التاريخ السياسي الحديث، سنجد أن هذه الاستراتيجية كانت السبب الرئيس في انهيار دول وضياع استقرار أقاليم بأكملها:
1. أفغانستان وحرب الوكالة (القرن العشرين)
في ذروة الحرب الباردة، قررت الولايات المتحدة “الرقص مع الشيطان” عبر دعم الحركات الراديكالية والتنظيمات المسلحة لمواجهة التمدد السوفيتي في أفغانستان. نجحت الخطة تكتيكيًا وانسحب السوفيت، لكن النتيجة الاستراتيجية كانت ولادة تنظيمات عابرة للحدود انقلبت على صانعيها، وكانت أحداث 11 سبتمبر، وحروب استنزاف استمرت لعقود، هي الفاتورة الباهظة لتلك الرقصة.
2. الأنظمة التي تحالفت مع جماعات العنف الديني
في الشرق الأوسط، حاولت أنظمة متعددة في السبعينيات والثمانينيات استخدام التيارات الدينية المتشددة لضرب التيارات اليسارية والقومية. ظنت تلك الأنظمة أنها تدير اللعبة، لكن في غضون سنوات قليلة، تحولت تلك الجماعات إلى المهدد الأول لكيان الدولة الوطنية ذاتها، واغتالت رموزًا سياسية، وأدخلت مجتمعات في دوامات من الحرب الأهلية والإرهاب.
3. الاعتماد على الميليشيات العابرة للحدود
في العصر الحالي، نرى دولاً تستعين بميليشيات مسلحة غير نظامية لفرض نفوذها الإقليمي. هذا الاعتماد المؤقت تحول إلى عبء سياسي واستراتيجي؛ حيث أصبحت هذه الميليشيات تفرض أجندتها الخاصة، وتورط الدول الراعية لها في صراعات دولية وعقوبات اقتصادية خانقة، مما يثبت أن “الوكيل” قد يصبح في لحظة ما هو “الأصيل”.
تداعيات الانغماس في المحظور السياسي
الرقص مع الشيطان لا يمر أبدًا دون كلفة، وتتجلى آثاره الكارثية في عدة أبعاد:
تاكل السيادة : يتحول الحليف الشرير أو المارق الي شريك في صناعة القرار الداخلي والخارجي للدولة
فقدان المصداقية الأخلاقية تفقد الدولة شعبيتها أمام شعبها والمجتمع الدولي وتصبح منبوذة سياسيا
الخلاصة: الدرس الذي لا يتعلمه الساسة
إن المخاطرة في السياسة أمر مطلوب، والمناورة مهارة لا غنى عنها للدول. لكن عندما تتحول المناورة إلى مراهنة على قيم الدولة، واستقرارها، وثوابتها الأمنية من خلال التحالف مع قوى الهدم، فإنها تتحول من “براغماتية” إلى “انتحار سياسي”.
الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ للسياسيين في كل العصور هو: إذا قررت أن ترقص مع الشيطان، فلا تتوقع أن تنتهي الرقصة عندما تعبث أنت، بل ستنتهي عندما يقرر هو التهامك. الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على تحالفات مشبوهة، بل على قوة الجبهة الداخلية، واحترام المؤسسات، وبناء تحالفات علنية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وليس على اللعب في الظلام.



