عربي وعالمي
الخليج على حافة الانفجار الإمارات بين نيران المضيق وشبح الاستنزاف الإيرانى
كتب /أيمن بحر

لم تعد الضربات التى هزت الفجيرة مجرد رسائل عسكرية عابرة فى مياه الخليج بل تحولت إلى لحظة فاصلة تكشف أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تختلف تماما عن كل ما سبقها فإيران لم تعد تكتفى بسياسة الردع التقليدي وإنما انتقلت إلى فرض الوقائع بالقوة وإعادة رسم خرائط النفوذ فوق أكثر الممرات البحرية حساسية فى العالم.
الليلة التي اشتعلت فيها الفجيرة كانت كافية لإسقاط صورة الهدوء الخليجي التى جرى تسويقها لسنوات طويلة فالصواريخ والطائرات المسيّرة التى اندفعت نحو المنشآت النفطية لم تستهدف فقط البنية الاقتصادية للإمارات بل استهدفت فكرة الاستقرار نفسها ومع كل انفجار كانت المنطقة تقترب أكثر من مرحلة لا تعترف بالخطوط الحمراء القديمة ولا بقواعد الاشتباك التقليدية.
المشهد لم يعد يتعلق بأمن الملاحة أو ناقلات النفط فقط بل أصبح صراعا مفتوحا على من يملك السيطرة الفعلية على مضيق هرمز ومن يمتلك القدرة على فرض خرائطه السياسية والعسكرية على الخليج بأكمله.
ومع تصاعد الحرائق في الفجيرة بدا واضحا أن الرسالة الإيرانية تجاوزت حدود الرد العسكري إلى استعراض الهيمنة الجغرافية والسياسية فطهران لم تطلق الصواريخ فقط بل دفعت بخطاب جديد يعتبر أن مناطق مثل الفجيرة ورأس الخيمة تقع ضمن المجال الأمني الإيراني للمضيق وهو تحول بالغ الخطورة لأنه ينقل الصراع من مرحلة التهديد إلى مرحلة فرض الأمر الواقع.
الإمارات التي بنت جزءا كبيرا من قوتها الاقتصادية على تحويل الفجيرة إلى بديل استراتيجي يخفف الضغط عن مضيق هرمز تجد نفسها اليوم أمام مفارقة قاسية فالمشروع الذي صمم للابتعاد عن النفوذ الإيراني عاد ليقع داخل التعريف الإيراني الجديد للمضيق وكأن الجغرافيا أعادت تطويق الخليج من جديد.
وفي قلب هذا التصعيد وجدت أبو ظبي نفسها أمام اختبار غير مسبوق فسنوات التحالفات الأمنية والتقارب العسكري مع إسرائيل والرهان على التكنولوجيا الدفاعية الغربية اصطدمت بحقيقة أكثر تعقيدا وهي أن أي منظومة دفاع مهما بلغت قوتها لا تستطيع توفير حصانة كاملة أمام حرب استنزاف طويلة تعتمد على كثافة النيران وتعدد الجبهات.
.
لقد راهنت الإمارات على أن التحالفات الجديدة قادرة على بناء مظلة أمنية تمنع وصول الخطر إلى عمقها الاقتصادي لكن الساعات الأخيرة أظهرت أن المنطقة دخلت شكلا مختلفا من الحروب حيث تتحول المنشآت الحيوية والموانئ والطاقة إلى أهداف مباشرة في معركة مفتوحة لا تملك فيها أي دولة ضمانات مطلقة.
الأخطر أن الولايات المتحدة تبدو حتى الآن أقرب إلى إدارة الصراع من بعيد لا إلى خوضه بشكل مباشر فواشنطن تدفع نحو استمرار الضغط على إيران لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة لتحمل كلفة حرب شاملة قد تشعل المنطقة بالكامل وهو ما يثير مخاوف متزايدة من أن تتحول دول الخليج إلى ساحة مواجهة طويلة بينما تبقى القوى الكبرى بعيدة عن الخسائر المباشرة
وهنا يعود التاريخ ليطرح نفسه بقوة فما يحدث اليوم يحمل ملامح تذكر بالمشهد العراقي القديم حين جرى دفع بغداد إلى مواجهة استنزاف طويلة مع إيران تحت عناوين الحماية والتوازن الإقليمي ثم انتهى الأمر بانهيار العراق عسكريا واقتصاديا وسياسيا وتركه وحيدا وسط الفوضى والدمار.
اليوم تبدو الصورة مختلفة في التفاصيل لكنها متشابهة في الجوهر فالإمارات تدخل تدريجيا إلى قلب مواجهة مفتوحة مع إيران وسط وعود بالحماية والتحالفات بينما تتسع دائرة النيران في الخليج بشكل ينذر بإعادة تشكيل المنطقة بالكامل.
لقد تحول مضيق هرمز من ممر للطاقة إلى ساحة صراع على السيادة والنفوذ وإعادة رسم الخرائط وبين الصواريخ التي تعبر السماء والتحالفات التي تختبر تحت النار يبقى السؤال الأخطر معلقا فوق الخليج كله.
هل تدرك الإمارات أنها تدخل حرب استنزاف قد تعيد تشكيل المنطقة كما أعادت الحروب السابقة تشكيل العراق والمنطقة بأكملها



