عربي وعالمي
الرموز التوراتية فى العقيدة العسكرية الإسرائيلية بين البعد الدينى والرسائل السياسية
كتب: أيمن بحر

لم تعد أسماء العمليات العسكرية الإسرائيلية مجرد مصطلحات ميدانية تستخدم للتمييز بين حملة وأخرى بل أصبحت فى نظر كثير من الباحثين والمراقبين جزءا من خطاب رمزى يجمع بين التاريخ والدين والسياسة ويمنح كل عملية بعدا يتجاوز حدود العمل العسكرى إلى صناعة رواية متكاملة تخاطب الداخل الإسرائيلى وتوجه رسائلها إلى الخارج.
وخلال السنوات الأخيرة برز استخدام متكرر لمفردات ورموز ذات جذور توراتية فى أسماء العمليات العسكرية ومنظومات التسليح والخطابات الرسمية وهو ما دفع العديد من المتخصصين إلى دراسة العلاقة بين الموروث الدينى اليهودى والعقيدة العسكرية الإسرائيلية وكيف يجرى توظيف هذا الإرث فى بناء الخطاب السياسى والعسكرى.
ويشير مراقبون إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين ومن بينهم رؤساء وقادة عسكريون استخدموا فى مناسبات مختلفة تعبيرات أو إشارات ذات طابع ديني عند الحديث عن الصراعات فى الشرق الأوسط وهو ما أثار نقاشا واسعا حول مدى حضور الخطاب الدينى فى السياسة والأمن.
ومن أبرز الأمثلة التى أثير حولها الجدل تغيير اسم إحدى العمليات العسكرية من درع يهوذا إلى زئير الأسد وهو اسم يرتبط برمز قبيلة يهوذا في النصوص التوراتية حيث يرى محللون أن هذا التغيير لم يلغ الدلالة الرمزية بل أعاد تقديمها بصورة أكثر ملاءمة من الناحية السياسية والإعلامية.
كما تحمل منظومات دفاعية إسرائيلية أسماء مثل مقلاع داوود وهو اسم يستحضر قصة داوود وجالوت الواردة فى العهد القديم والتى تقدم نموذجا لانتصار الطرف الأضعف على خصم يفوقه قوة بينما يرى باحثون أن اختيار هذا الاسم يهدف إلى ترسيخ صورة التفوق العسكرى القائم على التكنولوجيا والقدرة على مواجهة التهديدات الأكبر حجما.
أما منظومة القبة الحديدية فلا ترتبط بنص توراتى مباشر إلا أن بعض المحللين يرون أن الاسم ينسجم مع صورة الحماية الإلهية التى ترد فى عدد من أسفار العهد القديم حيث يوصف الله بأنه درع يحمى بنى إسرائيل وهو ما يمنح الاسم بعدا رمزيا إلى جانب وظيفته العسكرية.
وفي عام 2012 حملت العملية العسكرية على غزة اسم عمود السحاب وهو تعبير مستمد من قصة خروج بني إسرائيل من مصر حيث يرد فى النصوص الدينية أن الله كان يقودهم بعمود من السحاب نهارا وعمود من النار ليلا بينما حملت عملية عام 2023 اسم سيوف الحديد وهو اسم يستدعى رمزية القوة والحسم فى الأدبيات التوراتية.
كما ظهرت أسماء أخرى مستوحاة من شخصيات توراتية مثل جدعون ويوشع بن نون اللذين يحتلان مكانة بارزة فى الروايات الدينية باعتبارهما قائدين عسكريين ارتبط اسماهما بالانتصار وفتح الحصون وقد استخدمت هذه الأسماء فى تسمية عمليات عسكرية إسرائيلية بهدف رفع الروح المعنوية وإضفاء بعد تاريخي على العمليات.
ويرى عدد من الباحثين أن هذا التوظيف المكثف للرموز الدينية يعكس امتزاجا بين العقيدة والسياسة والدعاية العسكرية بحيث تصبح التسمية نفسها جزءا من المعركة النفسية والإعلامية قبل أن تبدأ المواجهة على الأرض.
وفى المقابل يؤكد باحثون آخرون أن هذه التسميات لا تعني بالضرورة أن الصراع ديني فى جوهره وإنما تمثل أدوات رمزية تستخدمها القيادة الإسرائيلية لتعزيز الهوية الوطنية وحشد التأييد الداخلى وإرسال رسائل ردع إلى الخصوم.
ويبقى المؤكد أن أسماء العمليات العسكرية الإسرائيلية ليست عشوائية بل تخضع لاختيارات تحمل دلالات ثقافية وتاريخية وسياسية وأن فهم هذه الرموز يساعد على قراءة جانب مهم من الخطاب الإسرائيلى وكيفية توظيف التاريخ والدين فى إدارة الصراعات وصناعة الرواية التى تسعى إسرائيل إلى ترسيخها أمام جمهورها وأمام العالم.



