محافظات

العدادات الكودية.. اختبار حقيقي لكفاءة الإدارة ووعود الإصلاح

عصران الراوي

تُعد أزمة العدادات الكودية واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في قطاع الخدمات خلال السنوات الأخيرة ليس فقط بسبب اتساع نطاقها الذي يطال ملايين المواطنين ولكن أيضاً بسبب تشابك أبعادها بين الفني والقانوني والإداري بما يجعلها معياراً مباشراً لقياس قدرة المنظومة على الحسم لا مجرد إدارة الأزمات
فالمشهد الحالي يكشف عن واقع غير متوازن حيث تتداخل حالات متعددة تحت مظلة واحدة دون وجود تصنيف حاسم يضمن معالجة كل فئة وفق طبيعتها عقارات مرخصة دخلت النظام الكودي لأسباب إجرائية وأخرى سابقة على التشريعات وثالثة مرتبطة بملفات تصالح لم تُحسم رغم مرور سنوات إلى جانب حالات مخالفة ما زالت عالقة في مسار غير مكتمل
هذا التداخل أنتج حالة من الارتباك انعكست بشكل مباشر على المواطن الذي أصبح الطرف الأضعف في معادلة لا يد له في تفاصيلها لكنه يتحمل نتائجها اليومية عبر فواتير غير مستقرة وإجراءات معقدة تتطلب وقتاً وجهداً يفوق قدرته
ورغم تعدد الوعود المرتبطة بتطوير المنظومة إلا أن جوهر الأزمة لا يزال قائماً ويتمثل في ثلاثة محاور رئيسية بطء التحول الرقمي الفعلي استمرار الاعتماد على المستندات الورقية والإجراءات التقليدية وغياب آلية حاسمة للانتقال السريع من العدادات الكودية إلى النظام الرسمي في الحالات المستوفاة للشروط
الأمر لا يتعلق بغياب الحلول بقدر ما يتعلق ببطء تفعيلها وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول فعالية الربط المؤسسي بين الجهات المختلفة وإمكانية الاستفادة من البيانات المتاحة دون تحميل المواطن عبء التنقل بين الإدارات والمكاتب لاستكمال إجراءات يفترض أن تكون قد حُسمت مسبقاً
إن استمرار هذا النهج يضعف الثقة في أي إصلاحات معلنة ويعزز الانطباع بأن الإدارة تميل إلى إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها في حين أن المطلوب هو انتقال جذري من منطق المعالجة الجزئية إلى منطق الحسم الشامل وفق معايير واضحة ومحددة
وفي جوهره يبقى هذا الملف اختباراً عملياً لقدرة المنظومة الخدمية على ترجمة التعهدات إلى نتائج ملموسة لأن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بكثرة التصريحات بل بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطن وتخفيف الأعباء عنه بشكل فعلي
وفي النهاية تبقى العدادات الكودية أكثر من مجرد قضية كهرباء إنها مرآة لمدى نضج الإدارة في التعامل مع الملفات الجماهيرية وقدرتها على الانتقال من مرحلة إدارة التعقيد إلى مرحلة صناعة الحل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock