
في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية التي تضرب رياحُها مختلف الأسواق العالمية تصاعدت مؤخراً نغمات طرد اللاجئين علي صفحات التواصل بإلقاء”اللوم الجماعي” تجاه اللاجئين والمقيمين محملة إياهم مسؤولية الغلاء وتدهور الخدمات.
إلا أن نظرة فاحصة وموضوعية لواقع الأرقام تؤكد أننا أمام “مغالطة اقتصادية” تستوجب التصحيح فاللاجئ المقيم بصفة قانونية وشرعية ليس مجرد رقم بل هو شريك في الدورة التنموية ومصدر حيوي للعملة الصعبة.
الاستثمار.. حينما يأتي اللجوء برأس المال
خلافاً للصورة النمطية التي تحصر اللاجئ في دائرة “متلقي المساعدات”، نجد أن فئة عريضة من المقيمين واللاجئين من معظم الجنسيات نقلوا ثرواتهم ومدخراتهم للاستثمار في بلد اتخذوها مقر لهم ولتجارتهم وأمان لأموالهم.
هؤلاء المستثمرون لم يكتفوا بتأسيس مشروعات توفر السلع والخدمات، بل ساهموا بشكل مباشر في خفض معدلات البطالة من خلال توظيف العمالة المحلية، مما يجعلهم “محركات نمو” داخل السوق الوطني.
تصدير الخدمات في عقر دارنا
واحدة من أهم النقاط التي يغفلها المحللون هي ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التعليم والصحة”. فالطلبة الوافدون والمرضى الذين يقصدون البلاد للعلاج، يدفعون مقابل هذه الخدمات بالعملة الصعبة. هذا النوع من التدفق المالي لا يختلف في جوهره عن التصدير فالدولة تبيع خدماتها التعليمية والطبية لمقيمين يضخون أموالاً من الخارج (سواء عبر مدخراتهم أو حوالات ذويهم)، مما يعزز من احتياطي النقد الأجنبي تماماً كما تفعل تحويلات المغتربين في الخارج.
شماعة “الغلاء” والواقع الاقتصادي
أما الحديث عن كون اللاجئين سبباً في الغلاء، فهو طرح يفتقر للدقة العلمية. فالتضخم ظاهرة عالمية مرتبطة بتكاليف الشحن، وأسعار الطاقة، والسياسات النقدية الدولية. وبالنظر إلى مساهمة هؤلاء المقيمين، نجد أن استهلاكهم اليومي يساهم في دفع عجلة التجارة الداخلية، كما أنهم يخضعون بشكل غير مباشر لمنظومة الضرائب (مثل ضريبة القيمة المضافة) التي تدخل خزينة الدولة، مما يعني أنهم مساهمون في الإيراد العام وليسوا فقط مستهلكين للموارد.
الالتزام بالقانون.. حجر الزاوية
إن جوهر القضية لا يكمن في “الوجود” بحد ذاته، بل في “مشروعية هذا الوجود”. فاللاجئ والمقيم الملتزم بالقانون، والذي يحترم قواعد البلد المضيف، يمثل إضافة نوعية للمجتمع. إن تقنين الأوضاع يحول هؤلاء الأفراد من طاقة مهدرة أو غير مرئية اقتصادياً إلى قوة عاملة ومنتجة تخضع لرقابة الدولة وتساهم في بنائها.
خاتمة
إن المصلحة الوطنية تقتضي التمييز بين الشعارات العاطفية والواقع الاقتصادي. إن احتضان الكفاءات والاستثمارات الوافدة تحت مظلة القانون هو استثمار في المستقبل. فالأزمة ليست في وجود “الآخر، بل في مدى قدرتنا على دمج هذا الآخر ليكون ترساً فاعلاً في ماكينة الاقتصاد الوطني، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو والازدهار.



