مقالات وآراء

اللواء سمير فرج:الإعلام والسوشيال ميديا والحروب الحديثة

متابعه احمد القطعاني

أكد اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي والعسكري أن الإعلام في العصر الحديث يتكون من أربعة عناصر، هي الإعلام المكتوب ويقصد به الصحافة والمجلات، ثم الإعلام المسموع ويقصد به الراديو، ثم الإعلام المرئي ويقصد به التليفزيون وقنواته المتعددة، وأخيرًا جاء الإعلام الإلكتروني الرقمي، كارثة العصر، حيث يُعد الإعلام الإلكتروني من أبرز أشكال الإعلام الحديثة، إذ يعتمد على الإنترنت والتقنيات الرقمية في نقل المعلومات ونشر المحتوى. وقد ساهم هذا النوع من الإعلام في إحداث نقلة كبيرة في سرعة تداول الأخبار وسهولة الوصول إليها، مما جعله وسيلة أساسية يعتمد عليها الأفراد في متابعة الأحداث المختلفة، بل وأحيانًا في تكوين آرائهم واتجاهاتهم.
تشمل وسائل الإعلام الإلكتروني العديد من المنصات مثل مواقع الأخبار، ومنصات التواصل الاجتماعي كـ Facebook وInstagram، بالإضافة إلى منصات الفيديو مثل YouTube، والبودكاست والتطبيقات الإخبارية. وتمتاز هذه الوسائل بالتفاعل المباشر مع الجمهور، وإمكانية مشاركة المحتوى بسهولة، مما يزيد من انتشار المعلومات بشكل واسع وسريع، وأحيانًا دون أي ضوابط واضحة، وهو ما يجعل تأثيرها أقوى وأخطر في نفس الوقت.
ومع التطور التكنولوجي، برز الذكاء الاصطناعي كجزء مهم من الإعلام الإلكتروني، مثل ChatGPT، حيث أصبح المستخدم يعتمد عليه للحصول على المعلومات بشكل فوري ومباشر. ورغم ما يوفره من سرعة وسهولة، إلا أن دقة المعلومات تظل تحديًا يتطلب التحقق من المصادر، مما يعكس أهمية الاستخدام الواعي لهذا النوع من الإعلام، خاصة في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر قبل التأكد من صحتها.
في ظل هذا التطور التكنولوجي المتسارع، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل مجالات جديدة، أبرزها المجال الإعلامي الرقمي. فقد أصبحت وسائل الإعلام الإلكتروني، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، أداة استراتيجية تستخدمها جيوش العالم لنقل رسائلها والتأثير على الرأي العام المحلي والدولي.
ومع انتشار الإنترنت، أصبح من الممكن لأي جهة عسكرية أن تخاطب ملايين الأشخاص حول العالم في لحظات، مما غيّر من طبيعة الصراعات وأدخل مفهوم “الحرب الإعلامية” كجزء أساسي من أدوات القوة الحديثة.
وأصبح الآن يُقال إن أي حرب أو نزاع عسكري يعتمد على اتجاهين: الأول هو القتال بالوسائل التقليدية من دبابات وطائرات وصواريخ إلى آخره، أما الاتجاه الآخر فهو الحرب النفسية، وقد جاءت وسائل ومنصات السوشيال ميديا لتجعل هذه الحروب مؤثرة للغاية، سواء في نشر الأخبار الصحيحة لرفع المعنويات أو نشر الأخبار الكاذبة لخفض المعنويات.
ولم يعد دور الجيوش يقتصر على نشر البيانات فقط، بل أصبح يشمل إدارة صورة الدولة بالكامل أمام العالم. فالجيوش اليوم تدرك أن المعركة لم تعد فقط في الميدان، بل في عقول الناس أيضًا، لذلك تحرص على بناء صورة ذهنية قوية ومتماسكة تعكس قدرتها وقوتها وانضباطها. كما أصبحت بعض الجيوش تستخدم محتوى إنسانيًا، مثل مشاهد إنقاذ المدنيين أو تقديم المساعدات، لكسب تعاطف الرأي العام، سواء داخليًا أو خارجيًا.
وفي بعض الأحيان، يتم استخدام هذه المنصات لإرسال رسائل غير مباشرة، مثل نشر تدريبات عسكرية أو تحركات لقوات، بهدف إيصال إشارات ردع دون إعلان رسمي. بل إن بعض العمليات العسكرية يتم التمهيد لها إعلاميًا قبل حدوثها، من خلال تسريب معلومات أو نشر مؤشرات معينة لتهيئة الرأي العام.
ولا يقتصر دور الإعلام الإلكتروني على نقل المعلومات فقط، بل يمتد إلى صناعة “الترند” وتوجيه النقاش العالمي، حيث تعمل بعض الجهات على إطلاق حملات رقمية منظمة تستخدم الوسوم “Hashtags” لرفع قضية معينة إلى صدارة الاهتمام العالمي، مما يؤدي إلى تعبئة الرأي العام والتأثير على القرارات السياسية. كما يتم توظيف تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، ومنصات تحليل البيانات، بل وأحيانًا الحسابات الوهمية، لنشر رسائل معينة أو تضخيمها. ويُعد ذلك جزءًا مما يُعرف بـ”الحرب النفسية”، حيث يتم استهداف مشاعر الجمهور وتصوراته بهدف خلق حالة من التأييد أو الرفض تجاه قضية معينة.
ومن جهة أخرى، تلعب هذه الوسائل دورًا مهمًا في التوعية وإدارة الأزمات، حيث تستخدمها الجيوش لنشر التعليمات والتحذيرات أثناء النزاعات أو الكوارث، مثل إرشادات السلامة أو أماكن الإخلاء. كما تُستخدم لتصحيح الشائعات ومواجهة الأخبار المضللة التي قد تنتشر بسرعة عبر الإنترنت. إلا أن هذا الاستخدام يحمل في طياته تحديات كبيرة، منها صعوبة التحقق من صحة المعلومات، واحتمالية استخدام هذه الوسائل في نشر الدعاية أو التضليل الإعلامي، مما قد يؤثر سلبًا على استقرار المجتمعات.
وفي الختام، يمكن القول إن وسائل الإعلام الإلكتروني أصبحت سلاحًا لا يقل أهمية عن الأسلحة التقليدية في يد الجيوش الحديثة، فهي لا تُستخدم فقط لنقل الأخبار، بل للتأثير والتوجيه وصناعة الرأي العام، بل وحتى تحقيق أهداف استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة. ومع استمرار تطور التكنولوجيا، من المتوقع أن يزداد دور الإعلام الرقمي في الصراعات المستقبلية، مما يستدعي وعيًا أكبر من الجمهور بضرورة التحقق من المعلومات وتحليلها قبل تبنيها أو نشرها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock