مقالات وآراء
اللواء سمير فرج:هل عادت الحرب الروسية الأوكرانية إلى السطح مرة أخرى؟
متابعه احمد القطعاني

أكد اللواء سمير فرج الخبير الاستراتيجي والعسكري والمحلل السياسي يعيش العالم الآن في العام الخامس من الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت يوم 24 فبراير 2022، عندما قامت روسيا بغزو أوكرانيا بسبب سعيها للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو). حيث رفضت روسيا هذا الأمر، وكانت الأحداث قد بدأت في التطور بين روسيا وأوكرانيا منذ عام 2014 عندما استولت روسيا بعملية هجومية على شبه جزيرة القرم، تلك الجزيرة التي كانت تابعة لروسيا أيام عهد الاتحاد السوفيتي، عندما قام خروتشوف بضمها في ذلك التوقيت إلى أوكرانيا كهدية لها عام 1954. ولكن روسيا قامت بإعادة احتلالها مرة أخرى عام 2014، وبعدها فرضت أوروبا عقوبات على روسيا لقيامها بتلك العملية.
أما الحرب هذه الأيام فتبلغ عامها الخامس، حيث استولت روسيا على أربع مقاطعات في أوكرانيا هي دونيتسك، ولوهانسك، وزابوريجيا، وخيرسون، وتمثل الآن 20% من أراضي أوكرانيا. حيث قامت روسيا بعدها باتخاذ قرار من الدوما (البرلمان الروسي) بضم هذه المقاطعات إلى روسيا، بل قامت أيضًا بعمل استفتاء لشعوب هذه المقاطعات التي أيدت الضم، وأصبحت هذه المقاطعات الأربع ضمن أراضي دولة روسيا الاتحادية الآن.
وخلال تلك الحرب فرضت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا عقوبات اقتصادية على روسيا، كان من أهمها منع روسيا، وهي أكبر دولة مصدرة للغاز في العالم، من تصدير الغاز إلى دول أوروبا. وخلال تلك المدة عُقدت أيضًا العديد من المحاولات لإحلال السلام بين الدولتين
وجاءت الحرب الأمريكية الإيرانية لتقلل اهتمام أمريكا بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث ركزت تمامًا على ما يحدث في الحرب بينها وبين إيران.
وخلال الفترة السابقة تمت محاولات كثيرة لحل المشكلة بين روسيا وأوكرانيا، حيث كانت مطالب أوكرانيا تركزعلى انسحاب روسيا من كافة الأراضي الأوكرانية، مع دفع التعويضات عن الخسائر التي أحدثتها الحرب، مع تعهد روسيا بعدم مهاجمة أوكرانيا مرة أخرى.
وعلى مستوى روسيا، طلبت من أوكرانيا عدم الانضمام إلى حلف الناتو مرة أخرى، كذلك الموافقة على ضم المقاطعات الأربع التي استولت عليها روسيا، بما فيها أراضي المقاطعات التي لم تستولِ عليها روسيا بعد.
كذلك تم عقد لقاء في ألاسكا تضمن أن حل المشكلة يتم على أساس مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وهو المقترح الذي دعمه الرئيس ترامب.
وفجأة تقدم هذا الأسبوع الرئيس الأوكراني زيلينسكي بدعوة لعقد اجتماع مع الرئيس الروسي بوتين، وعلى الفور رفض الرئيس بوتين هذا الاقتراح. كذلك رفض الرئيس بوتين التحذيرات الغربية التي أفادت أن روسيا تشكل حاليًا تهديدًا لدول حلف الناتو.
أما الرئيس الأمريكي فقد رحب بعقد اللقاء بين الرئيسين، وكان أول تعليق للرئيس الروسي بوتين أن طلب الرئيس الأوكراني للجلوس لحل المشكلة جاء بسبب أن أوكرانيا أصبحت ضعيفة عسكريًا وغير قادرة على التصدي لهجوم الجيش الروسي، الذي يكتسب كل يوم أرضًا جديدة داخل أوكرانيا.
وبنظرة سريعة لما يحدث نجد أن الرئيس الأوكراني بدأ يشعر أن الحرب الروسية الأوكرانية بدأت تفقد اهتمام العالم كله، وخاصة دول حلف الناتو التي بدأت تستعد هي الأخرى لتقوية قواتها المسلحة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي باحتمال الانسحاب من حلف الناتو، الأمر الذي جعل دول الحلف حاليًا تبحث في زيادة قدراتها العسكرية، وبالتالي سيقل الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
كذلك شعر الرئيس الأوكراني أن أمريكا متورطة الآن في حربها مع إيران، وليست لديها القدرة على تقديم الدعم العسكري الكافي إلى أوكرانيا، خاصة أن الرئيس ترامب أصبح يميل إلى أن تكون علاقته مع روسيا والرئيس بوتين على مستوى متميز.
لذلك فإن كل يوم يمر على أوكرانيا يجعل موقفها أكثر صعوبة. أما الرئيس بوتين فقد أصبح الآن يشعر أنه متحكم في الموقف، بينما يسعى الرئيس الأوكراني إلى الظهور أمام العالم كرجل سلام، وأن بوتين هو الذي يتمسك باستمرار الحرب.
وجاء ذكاء الرئيس بوتين عندما عقب على إمكانية عقد اللقاء، إذ طلب أن يكون اللقاء على أساس مؤتمر أفريقيا الذي أعلن فيه مبدأ “الأرض مقابل السلام”، وهذا يعني أن تتنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها مقابل السلام، وهو ما ترفضه أوكرانيا تمامًا هذه الأيام.
ومن هنا تأزم الموقف من جديد، حيث إن أوروبا أصبحت مشغولة بالسؤال القادم: ماذا سيحدث لحلف الناتو إذا انسحبت أمريكا؟ وستصبح دول الحلف مطالبة بالاهتمام بقواتها العسكرية وتدعيمها، الأمر الذي سوف يقلل من الدعم الأوروبي ودعم الناتو لأوكرانيا.
ومن هنا جاء طلب الرئيس الأوكراني عقد لقاء مع الرئيس بوتين، وأعتقد أن الرئيس بوتين مستوعب تمامًا كل هذه المفاهيم، ولذلك سوف يضغط بشدة خلال الفترة القادمة لإطالة زمن الحرب، خاصة أن وضع روسيا عسكريًا أفضل بكثير، وتستولي كل فترة على أراضٍ جديدة.
وعلى المستوى الاقتصادي، رفعت أمريكا وأوروبا الحظر الاقتصادي عن بيع الغاز الروسي إلى أوروبا بعد أحداث إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أنعش الاقتصاد الروسي.
وهكذا ينتظر الجميع ما الذي سيحدث في الفترة القادمة بعد أن بدأ حلف الناتو وأمريكا يبتعدون تدريجيًا عن أوكرانيا.



