مقالات وآراء
المشقة ليست غاية في الحج .. وخدمة الحجاج واجب شرعي لا بذخٌ يُنتقد
السعودية - مصطفي القرشي

في كل موسم حج تتجدد بعض الأصوات التي تنظر إلى ما يُقدَّم للحجاج من خدمات متطورة في النقل والصحة والسلامة والاتصالات والإعاشة على أنه نوع من “البذخ” أو المبالغة في الرفاهية، وكأن العبادة لا تكتمل إلا بالمشقة، أو أن المعاناة شرط من شروط القبول والأجر.
غير أن هذا الطرح يثير سؤالًا جوهريًا: أين في الشريعة الإسلامية ما يدل على أن المشقة مطلوبة لذاتها؟ وأين الدليل على أن حرمان الحاج من أسباب الراحة أو تعريضه للعناء يزيد من قيمة عبادته أو يرفع من أجره؟
لقد قامت الشريعة الإسلامية على اليسر ورفع الحرج، وجاءت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية مؤكدة أن الله سبحانه وتعالى يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر. فالمشقة التي قد تصاحب بعض العبادات ليست مقصودة لذاتها، وإنما هي أمر عارض قد يقع بحكم طبيعة التكليف.
أما إزالة أسباب المشقة وتخفيف آثارها متى ما أمكن، فهو مقصد شرعي يتفق مع روح الإسلام ومقاصده العظيمة.
ولذلك كان النبي ﷺ إذا خُيّر بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
ومن هذا المنطلق، فإن ما نشهده اليوم من تطور غير مسبوق في منظومة الحج لا يمكن وصفه بالترف أو البذخ، بل هو استجابة طبيعية لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجهات المنظمة، وللأعداد المليونية التي تفد إلى المشاعر المقدسة من مختلف أنحاء العالم.
فشبكات النقل الحديثة والقطارات المتطورة ليست مظاهر رفاهية، وإنما أدوات لتنظيم حركة الحشود وحماية الأرواح وتقليل المشقة. ومنظومة الاتصالات المتقدمة لم تعد رفاهية، بل أصبحت وسيلة أساسية للتواصل وإدارة الطوارئ وضمان سلامة الحجاج. كما أن الخدمات الصحية والبيئية تمثل ضرورة حقيقية في ظل الظروف المناخية الصعبة والكثافات البشرية الهائلة التي يشهدها موسم الحج.
ويثير الاستغراب أحيانًا ما يوجَّه من انتقادات لمبادرات الإطعام والسقيا وتوزيع المياه الباردة والمثلجات [الآيسكريم] على الحجاج في أيام ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. فهل أصبح الإطعام وسقيا الماء وتخفيف أثر الحر عن ضيوف الرحمن ضربًا من ضروب البذخ؟
إن الكرم والإحسان وخدمة الحجاج من القيم الإسلامية الراسخة التي عرفها المسلمون عبر تاريخهم الطويل، ولا ينبغي الخلط بينها وبين الإسراف المذموم. فليس كل إنفاق بذخًا، وليس كل خدمة ترفًا، وإنما العبرة بالمقصد والمصلحة المتحققة منها.
وعندما تنجح الفرق الطبية في إنقاذ حياة حاج تعرض لعارض صحي، أو تُجرى عملية دقيقة لمريض أثناء أداء المناسك، أو يتم نقل مصاب بطائرة إخلاء طبي مجهزة بأحدث التقنيات، فهل يمكن أن تُوصف هذه الجهود بأنها رفاهية زائدة؟
إن حفظ النفس البشرية من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، بل إنه يأتي في مقدمة الضروريات الخمس التي جاءت الأحكام بحفظها. ولذلك فإن بناء المستشفيات وتجهيز المراكز الصحية وتسخير الكوادر الطبية والتقنيات الحديثة لخدمة الحجاج يعد واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا وإنسانيًا قبل أن يكون إنجازًا تنظيميًا.
أما المقارنة المستمرة بين حج اليوم وحج الأمس، فهي في كثير من الأحيان مقارنة تفتقر إلى الإنصاف. فلكل عصر أدواته وإمكاناته وظروفه. ولو أتيحت لمن سبقونا وسائل النقل الحديثة والاتصالات المتطورة والخدمات الصحية المتقدمة التي نراها اليوم، لما ترددوا في الاستفادة منها وتسخيرها لخدمة الحجاج وتيسير أداء المناسك.
إن التطور الحضاري لا يتعارض مع العبادة، والتقنية لا تناقض الروحانية، والراحة لا تلغي الخشوع. فالتقوى محلها القلب، والإخلاص عمل قلبي، والقبول عند الله لا يقاس بدرجة التعب ولا بعدد ساعات المعاناة، وإنما بصدق النية وحسن العمل.
وفي هذا السياق، تستحق الجهود المباركة التي تبذلها المملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً ومؤسساتٍ وأجهزةً أمنية وصحية وخدمية وتطوعية، كل الشكر والتقدير. فهذه المنظومة المتكاملة تعمل على مدار الساعة لخدمة ضيوف الرحمن، وتوفير أعلى معايير السلامة والرعاية والتنظيم، بما يليق بمكانة الحرمين الشريفين وعظم المسؤولية تجاه قاصديهما من مختلف أنحاء العالم.
إن التحدي الحقيقي ليس في تعريض الحاج للمشقة، بل في تمكينه من التفرغ لعبادته وأداء مناسكه في بيئة آمنة ومنظمة ومستقرة. فالفرق كبير بين الإسراف المذموم والتيسير المشروع، وبين الترف المتكلف والإحسان المنظم.
وخلاصة القول أن تيسير الحج ليس خروجًا عن روح العبادة، بل هو تجسيد عملي لمقاصد الشريعة التي جاءت بحفظ الدين والنفس ورفع الحرج عن الناس.
فالشريعة لا تمجد المشقة لذاتها، وإنما تمجد الطاعة والإخلاص وتحقيق المصالح ودفع المفاسد. وحيث يتحقق التيسير المنضبط بالمقاصد، تتجلى رحمة الشريعة وتشرق حكمتها..



