مقالات وآراء

مجاملة على رائحة المطاط المحترق

بقلم : عماد نويجي

 

لم يعد المشهد غريبا كما كان من قبل بل أصبح يتكرر في الأفراح والمناسبات والطرقات حتى كاد يتحول إلى سلوك عادي في نظر البعض

شباب يعتلون الموتوسيكلات ويبدأون حفلات الاستعراض والحرق والجري والسباقات الجنونية وكأنهم في ساحة منافسة لا في طرق عامة يسير عليها الناس وأطفالهم وأسرهم

ما لفت انتباهي هذه المرة أن الفردة الخلفية لأحد الموتوسيكلات كانت تتآكل أمام عيني وتخرج منها الشرارات بسبب الاحتكاك العنيف بالأرض فسألت عن السبب فجاء الرد بكل بساطة

أنا بجامل بفردة

عندها أدركت أن المشكلة لم تعد في السلوك وحده بل في طريقة التفكير نفسها

كيف أصبحت المجاملة تعني إتلاف ممتلكاتك وتعريض حياتك للخطر وإزعاج الناس وإرهاب المارة وتعطيل الطرق

كيف تحولت الحكمة إلى تهور وتحول الاستهتار إلى بطولة وتحول التصفيق من المحيطين إلى وقود يغذي هذا العبث

 

إننا أمام جيل من الشباب وقع بعضه فريسة لفكرة زائفة تعتبر الضوضاء قوة والتهور شجاعة والاستعراض رجولة بينما الحقيقة أن الرجولة مسؤولية واحترام للنفس وللناس وللقانون

 

المؤسف أكثر أن الأب أصبح غائبا عن المشهد في كثير من الحالات

يعرف أن ابنه يقود الموتوسيكل بلا وعي ويشارك في هذه الممارسات الخطيرة ثم يكتفي بالصمت أو التبرير أو التجاهل

وكأن دوره انتهى عند شراء الموتوسيكل وتسليم المفتاح

بينما الحقيقة أن الأب هو خط الدفاع الأول عن ابنه وعن المجتمع

فمن واجبه أن يربي ويصحح ويمنع ويحاسب قبل أن يفعل ذلك حادث أليم أو خبر وفاة أو عاهة مستديمة

 

كما أن المسؤولية لا تقع على الأسرة وحدها

فهناك دور أصيل للمرور ولأجهزة وزارة الداخلية في ضبط الشارع والتعامل مع هذه الظاهرة قبل أن تتحول إلى كارثة أكبر

فمن غير المنطقي أن تتكرر هذه المشاهد بشكل شبه يومي في بعض المناطق دون رصد أو متابعة

 

ومن غير المقبول أن ننتظر وقوع الضحايا ثم نتحرك بعد ذلك

المطلوب حملات جادة ومستمرة ورصد لهذه التجمعات والاستعراضات واستدعاء المتسببين فيها والتحقيق معهم واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة

فالحفاظ على الأمن العام وضبط الشارع ومنع السلوكيات الخطرة هو جزء أصيل من مسؤولية الدولة وأجهزتها المختصة وليس رهنا ببلاغ يقدمه مواطن أو شكوى يحررها متضرر

 

لقد استفحلت الظاهرة بسبب التساهل معها وبسبب غياب الوعي وضعف الرقابة وتراجع دور الأسرة في المتابعة والتوجيه

وأصبح بعض الشباب يعيش بطولات من ورق يصنعها تصفيق الأصدقاء وعدسات الهواتف ثم تنتهي أحيانا في غرفة عناية مركزة أو على سرير مستشفى أو في جنازة تبكيها الأسر سنوات طويلة

 

المجاملة الحقيقية ليست في حرق فردة ولا في إطلاق الشرارات ولا في استعراض القوة الزائفة

المجاملة الحقيقية أن تفرح الناس دون أن تؤذيهم وأن تعود إلى بيتك سالما وأن تحافظ على نعمة العقل التي ميز الله بها الإنسان

فليس كل ما يثير التصفيق يستحق الاحترام وليس كل من يلفت الأنظار جديرا بالإعجاب

 

فبعض المشاهد لا تكشف قوة أصحابها بل تكشف حجم الفراغ الذي يعيشونه وحجم الغياب الذي تركه الكبار في حياتهم حتى ظنوا أن رائحة المطاط المحترق يمكن أن تصبح عنوانا للرجولة أو طريقا إلى المجد.

 

كلمة أخيرة المشكلة ليست في موتوسيكل ولا في فردة كاوتش تحترق

المشكلة الحقيقية في عقل بدأ يقتنع أن التهور إنجاز وأن الضوضاء نجاح وأن لفت الأنظار قيمة تستحق المخاطرة بالحياة من أجلها

 

وحين يغيب الأب عن التربية وتغيب المدرسة عن التوجيه ويتراجع دور المجتمع في التقويم يصبح الشارع هو المعلم وتصبح مواقع التواصل هي المرجع ويصبح التصفيق بديلا عن الحكمة

 

إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تحرق المطاط فقط بل تحرق القيم أيضا

وتصنع جيلا يطارد وهما اسمه البطولة بينما البطولة الحقيقية أن تحترم القانون وتحافظ على نفسك وتصون أرواح الآخرين

 

فالدولة مطالبة بالحزم والأسرة مطالبة بالمتابعة والمجتمع مطالب برفض هذه السلوكيات وعدم الاحتفاء بها

لأن الأمم لا تبنى بصوت المحركات المرتفع ولا بسحب الدخان المتصاعدة

وإنما تبنى بالعقول الواعية والضمائر الحية واحترام الإنسان للحياة

 

ما أكثر الضجيج الذي يلفت الأنظار

وما أقل الحكمة التي تصنع الأوطان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock