صحف وتقارير

تل بسطا البقعة المباركة والمنعطف التاريخي في رحلة العائلة المقدسة

كتبت /منى منصور السيد

 

تل بسطا أرض تنبض بالتاريخ والقداسة، النقطة التي تحولت عندها مسيرة الخوف والترقب إلى رحلة مباركة في قلب الكنانة. لم تكن هذه البقعة الأثرية الفريدة مجرد شواهد صامتة على مجد غابر، بل كانت محور حلقة بحثية استثنائية نظمتها لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامةلاتحاد كتاب مصر، تحت رعاية الأستاذ الدكتور علاء عبد الهادي، رئيس النقابة والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب. وجاءت هذه الفعالية الفكرية بالتعاون مع النقابة الفرعية لاتحاد كتاب الشرقية والسويس وسيناء، ونادي أدب الزقازيق، لتحمل عنوانًا واعدًا بالحقائق وهو “تل بسطا وتجاهل الحقائق”، تزامنًا مع الاحتفاء الوطني برحلة العائلة المقدسة إلى مصر في مطلع يونيو.

استهلت الندوة بكلمات ترحيبية مفعمة بالاعتزاز قدمها الشاعر السيد داود والشاعر إبراهيم حامد، مؤكدين على القيمة الروحية والحضارية التي تمثلها منطقة تل بسطا. ومن جانبه، أشار الشاعر نبيل مصيلحي إلى أن احتضان محافظة الشرقية لمثل هذه الفعاليات يعد واجبًا وطنيًا يخدم تاريخ مصر الممتد، لتنتقل الإدارة بعد ذلك إلى الكاتب والباحث عبد الله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة، الذي أطّر للحوار بوصف الشرقية بـ “أقصر الدلتا”، موضحًا ثراءها التاريخي الذي يضم أكثر من مائة تل أثري، وكونها حاضنة لأربع عواصم مصرية قديمة عبر العصور، من “أواريس” إلى “بر باستت” (تل بسطا)، فضلاً عن كونها معبرًا للأنبياء وآل البيت الكرام ومسارًا رئيسيًا لرحلة العائلة المقدسة.

وفي قراءة علمية معمقة، استعرضت الدكتورة منال منير حبيب، مدير عام آثار الشرقية، الأبعاد الزمنية والجغرافية لهذا الموقع الفريد الذي يمتد على مساحة شاسعة، موضحة الأهمية السياسية والدينية لتل بسطا كعاصمة للإقليم الثامن عشر في الدولة الحديثة، ثم عاصمة لمصر بأكملها خلال عصر الأسرة الثانية والعشرين. وألقت الضوء على الكنوز الأثرية التي تحتضنها المنطقة؛ من المعبد الكبير وقصر أمنمحات الثالث، إلى تمثال مريت آمون وبئرها الروماني الشهير. كما تناولت التطورات المعاصرة للموقع، مشيرة إلى أعمال التنقيب والمجسات، وجهود الدولة الدؤوبة في تطوير البئر والمتحف ليصبحا مزارًا لائقًا بمسار العائلة المقدسة.

وعاد الكاتب عبد الله مهدي ليؤكد أن الاحتفال بدخول العائلة المقدسة إلى مصر ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو استحضار لإرث إنساني وروحي متجدد يقع على عاتق المبدعين والباحثين صونه وإعادة تقديمه بلغة العصر. فمصر، كما تجسدها هذه الذكرى، هي واحة الأمان، وأرض التعايش والضيافة التي ملأتها البركة منذ فجر التاريخ.

ومن زاوية تاريخية وثائقية، قدم الباحث إسحاق إبراهيم الباجوشي، عضو لجنة التاريخ القبطي، طرحًا متميزًا حول ريادة أبناء الشرقية في إعادة إحياء هذا المسار منذ أوائل القرن العشرين. وفجّر الباجوشي مفاجأة علمية بالإشارة إلى بردية جامعة “كولون” الألمانية التي توثق بدقة سنوات طفولة السيد المسيح في مصر، مؤكدًا أن تل بسطا كانت المحطة الفارقة التي تحول فيها المسار من “هروب” اضطراري من بطش هيرودس إلى “رحلة” مباركة آمنة. وتلاقت هذه الرؤية مع الكلمة الروحية البليغة للقمص ويصا حفظي سعيد، الذي شدد على المكانة الاستثنائية لمصر في الكتب المقدسة كبلد للحماية وسيادة القانون منذ آلاف السنين، مفسرًا اختيارها الإلهي بأنها أرض المصالحة والأمان.

ولم تخلُ الحلقة من كشوفات ميدانية مثيرة؛ حيث استعرض المهندس مجدي غبريال، منسق الحلقة، قصة اكتشافه العلمي لظاهرة تعامد الشمس على المذابح الثلاثة في كنيسة كفر الدير أثناء أعمال ترميمها، في حين قدم الباحث الأثري مجدي سعد صليب أدلة دامغة ومخطوطات تاريخية نادرة توثق إقامة العائلة المقدسة في المنطقة واستضافتها في بيت “أقلوم وسارة” لثلاثة أيام، مستندًا إلى كتابات الأنبا غريغوريس وأبحاث بئر العائلة المقدسة.

تداخلت في هذه الحلقة البحثية صرامة العلم الإنساني مع عذوبة الإبداع، حيث اختتمت الفعالية بقصائد شعرية لكل من المبدعين أيمن سراج وصلاح يوسف ونبيل مصيلحي، لتعلن نهاية يوم فكري ثري، طالب فيه الحضور بضرورة استمرار هذا التعاون المؤسسي المثمر، انتصارًا للهوية الوطنية، وإعلاءً للحقائق التاريخية والروحية التي تجعل من أرض مصر مهدًا تلتقي فيه الحضارات وتتعانق على أرضه الرسالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock