صحف وتقارير

مصر فى مواجهة ضغوط ترامب .. لماذا ترفض القاهرة توسيع اتفاقات أبراهام ؟

بقلم احمد شتيه 

 

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، عادت اتفاقات أبراهام إلى واجهة المشهد السياسي الدولي مع تجدد الحديث داخل الأوساط الأمريكية، وخاصة المرتبطة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن توسيع دائرة الاتفاقات لتشمل مزيدًا من الدول العربية.

إلا أن الموقف المصري ظل ثابتًا وواضحًا، قائمًا على ضرورة تحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية باعتبارها المدخل الحقيقي لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

ومنذ توقيع مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، ارتكزت السياسة المصرية على مبدأ أن السلام ليس مجرد اتفاقات سياسية أو ترتيبات أمنية، وإنما عملية متكاملة تستند إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية.

لذلك تنظر القاهرة بحذر إلى أي محاولات تهدف إلى تجاوز جوهر الصراع العربي الإسرائيلي أو القفز على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ترى مصر أن أي مسار إقليمي لا يتضمن حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية سيظل مسارًا هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة.

ومن هذا المنطلق، عارضت القاهرة على مدار السنوات الماضية مختلف المبادرات التي يمكن أن تُفسر باعتبارها محاولة لتهميش القضية الفلسطينية أو استبدال الحل السياسي الشامل بمجرد ترتيبات إقليمية أو اقتصادية.

ويؤكد الموقف المصري أن السلام الحقيقي يبدأ من إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهو الموقف الذي تكرر في جميع المحافل الدولية والإقليمية.

لا يقتصر الرفض المصري لبعض الطروحات المرتبطة بتوسيع اتفاقات أبراهام على البعد الفلسطيني فقط، بل يمتد إلى الحفاظ على توازنات الأمن القومي العربي.

فالقاهرة تدرك أن فرض ترتيبات سياسية جديدة دون معالجة جذور الأزمات قد يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية وخلق بيئة أكثر تعقيدًا للصراعات.

كما تنظر مصر إلى استقرار المنطقة باعتباره مسؤولية جماعية، وترى أن أي مبادرات إقليمية يجب أن تراعي مصالح جميع الأطراف العربية وألا تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤى خارجية لا تعكس أولويات شعوبها.

خلال العقود الماضية نجحت مصر في ترسيخ مكانتها كوسيط رئيسي في ملفات المنطقة، وخاصة القضية الفلسطينية.

وقد لعبت القاهرة أدوارًا محورية في التهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ورعاية المصالحات الفلسطينية، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

هذا الدور جعل مصر تتمسك بموقف متوازن يهدف إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي دون التفريط في الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني أو السماح بتحويل القضية الفلسطينية إلى ملف ثانوي في حسابات القوى الدولية.

لا شك أن القاهرة تواجه ضغوطًا سياسية ودبلوماسية متزايدة في ظل سعي بعض القوى الدولية لإعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط ، إلا أن السياسة المصرية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، والانطلاق من حسابات الأمن القومي والمصالح العربية المشتركة.

ويعكس هذا الموقف إدراكًا مصريًا بأن أي سلام لا يستند إلى العدالة واحترام القانون الدولي سيظل معرضًا للاهتزاز، مهما بلغت الضمانات السياسية أو الاقتصادية المصاحبة له.

في الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات لتوسيع اتفاقات أبراهام، تواصل مصر التأكيد على أن الطريق الأقصر نحو الاستقرار الإقليمي يمر عبر إحياء عملية السلام على أسس عادلة ومتوازنة. فالقاهرة لا تعارض السلام من حيث المبدأ، بل تدعو إلى سلام شامل يضمن حقوق جميع الأطراف ويعالج جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياته.

الخلاصة

أثبتت مصر عبر عقود طويلة أنها تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية أمن قومي عربي وليست مجرد ملف سياسي عابر.

ومن ثم فإن تمسكها بضرورة ربط أي ترتيبات إقليمية بحل عادل للقضية الفلسطينية يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى حماية استقرار المنطقة ومنع إنتاج أزمات جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة في المستقبل.

وبينما تتغير الإدارات الأمريكية وتتبدل السياسات، يبقى الثابت المصري هو الدفاع عن مفهوم السلام العادل والشامل باعتباره الضمانة الحقيقية لأمن الشرق الأوسط واستقراره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock