دين ومجتمعمقالات وآراء

الهجرة النبوية و إرادة التغيير من أجل المستقبل

بقلم - حامد أبو المجد

من يظن ان الهجرة النبوية الشريفة – والسنة عموما – مجرد أحداث شخصية ، أو معجزات خارقة للعادة ، أو حوادث غير قابلة للتطبيق، فقد جهل شطر العقيدة، ولم يفهم مضمون الإرشاد الإلهي ” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، لمن كان يرجو الله واليوم الآخر”

 

وكأن المواقف الحياتية التي تعرض لها النبي – صلى الله عليه وسلم – ، هي نسخ ستتكرر في حياة كل جيل، مع اختلاف مظاهر التحضر والتطور، ولكن تبقى وسائل النجاة المعبرة عن القيم الإيمانية المتحكمة في السلوك البشري واحدة، فما تعرض له الرسول الأكرم نتعرض له، وما استعان به للنجاة ستستعينون به، وما أصابه من ضر سيصبكم لتخليكم عما تخلي عنه

 

فمن أراد تغيير واقعه من الضعف إلى القوة ،ومن الشك الي اليقين، ومن الضيق إلى السعة فعليه ان يجيد تخطيط أهدافه ، ثم يوظف إمكانياته البشرية والمادية لتحقيقها ، كما فعل النبي في الهجرة ، التي تعد نموذج فريد في صياغة الأهداف والاستعانة بالله قبل توظيف موارده البشرية والمادية المتاحة، بعيدا عن تأييد الوحي والمعجزات الخارقة، فكانت درسا عمليا بشريا في أهمية التخطيط للتغيير مع توظيف الإمكانيات المتاحة وبذل الجهد.

 

لقد كانت قريش هي الظروف الاجتماعية الصعبة التي احاطت بالنبي -صلى الله عليه وسلم – ، وأحكمت خيوطها للقضاء علىه وعلي دعوته الإسلامية ، وتربصت به، لكنه لم يلق باللوم على مشاكله وقومه ، بل واجه ذلك بحكمة. فاختار التوقيت المناسب للهجرة ، وجهز خطة دقيقة وزع فيها الأدوار على من يثق في قدراتهم ، فأمر علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – بالنوم في فراشه النبي ، وبقي بعد الهجرة لرد الأمانات إلى اهلها ، ليرسخ قيم الأمانة والشجاعة معاً.

 

كما استعان بجهاز مخابرات متمثلا في عبد الله بن أبي بكر – رضي الله عنهما – لبنقل له الأخبار وتحركات قريشر، ليعلمنا ان التخطيط الجيد يحتاج إلى المعلومة قبل السلاح، وولي و أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها – مهمة الإمداد والتموين ، بينما كان عامر بن فهيرة فرقة تأمين التحركات وتضليل العدو .

 

ولم تمنع عقيدة بعبد الله بن أريقط النبي – عليه الصلاة والسلام – من ان يتخذه دليلاً للطريق ، لما عُرف عنه من خبرة وأمانة، وهو درس نبوي في الاستفادة من الكفاءات والخبرات لخدمة الحق وتحقيق الأهداف.

 

ذلك التخطيط الجيد لم يكن ليغني عن التوكل على الله، بل يحاط به . فعندما اشتد الخطر ووصل المشركون للغار ، لم يتزعزع يقين النبي – صلى الله عليه وسلم، وقال لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه – : “لا تحزن إن الله معنا”.

 

هكذا تجسدت أعظم معادلة للنجاح في الحياة: أن نبذل كل ما تستطيع من جهد، و تأخذ بالأسباب المتاحة، ثم نترك النتائج لله – تعالى- ونحن مطمئون القلب بمعية الله

 

فالهجرة تعلمنا التغيير للأفضل لا الانتظار أو الاستسلام للظروف والعذر بمشاكلنا المزمنة ، والتمسك بقيادات فاسدة ليس لديها أي فكر يساعد على حل مشاكلنا بمواردنا المتاحة، وإهمال عقول قادرة على التخطيط والابتكار و االسعي الدؤوب مع الثقة المطلقة بأن الله لن يضيع اجر من أحسن عملا وأخلص النية.

 

وفي واقعنا الإداري أو العملي أو الشخصي ، ما أحوجنا إلى تأمل تفاصيل الهجرة اثارها الباقية ؛ فكم من مشروع فشل بسبب غياب التخطيط ، وكم من نابه كف عن السعي ، وكم من شركة بيعت، وتمزقت الأسر، وانتشرت البطالة وكم من مسؤول لا يدرك من المسؤولية الا اسمه بينما الهجرة النبوية تؤكد أن النجاح مقرون بجودة التخطيط وصدق الإيمان .

 

لم تكن الهجرة رحلة إيمانية فحسب ، بل رحلة قيادة واعية بالمخاطر وحسن استثمار للموارد المتاحة، و. ستبقى درسا لكل من أراد أن يتعلم كيف يصنع التغيير بأقل الموارد ووافر الإيمان .

 

فالهجرة ليست ذكرى نحتفل بها بالخطبة والاحتفالات ، بل بدراستها لنعلم منها : كيف يستطيع الإنسان تغيير الواقع وإصلاحه من أجل مستقب

ل أفضل لامته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock