صحف وتقارير

بين الفكرة والإنفعال ..لماذا تدار بعض المجتمعات بالعقل وأخرىٰ بردة الفعل ؟!

بقلم : معز ماني . تونس

 

ليس الفرق بين المجتمعات مجرد تفاوت في الموارد أو التكنولوجيا، بل هو في عمقه،اختلاف في طريقة إدراك العالم والتفاعل معه. فهناك مجتمعات تبني قراراتها على الفكرة : تحليل، تخطيط، وتوقع. وأخرى تدار في كثير من الحالات بـ الانفعال: استجابة سريعة، عاطفية، ومباشرة للحدث.

هذه الثنائية (الفكرة/الانفعال) ليست مجرد مفهومين نفسيين، بل إطار لفهم كيف تصاغ السياسات، وتدار المؤسسات، وتبنى الحضارات.

أولا : تعريف المفهومين .

1 . الفكرة : الوعي المنظّم .

الفكرة هي نتاج عملية عقلية مركّبة تقوم على :

* الملاحظة والتحليل .

* الربط بين الأسباب والنتائج .

* بناء فرضيات قابلة للاختبار .

* التخطيط طويل المدى .

إنها تمثّل تأجيلا واعيا للاستجابة، يسمح للعقل بأن يسبق الفعل .

2 . الانفعال : الاستجابة الفورية .

الانفعال هو ردّة فعل نفسية سريعة تجاه حدث أو موقف، تتسم بـ :

* السرعة والاندفاع .

* تغليب العاطفة على التحليل .

* ضعف المسافة بين الحدث والاستجابة .

وهو رغم ضرورته في بعض السياقات قد يصبح عائقا حين يتحوّل إلى آلية دائمة لاتخاذ القرار .

يمكن تلخيص الفارق في ثلاثة أبعاد رئيسية :

* الزمن .

* المنهج .

* النتائج.

الفكرة تبني، والانفعال يستهلك.الفكرة تراكم، والانفعال يبدّد .

ثانيا : لماذا تعتمد بعض المجتمعات على الفكرة ؟

في كثير من دول الشمال (بالمعنى التنموي لا الجغرافي)، نجد أن الفكرة تحكم المنظومة، وذلك لأسباب بنيوية:

1. مأسسة التفكير .

القرارات لا تتّخذ فرديا، بل عبر مؤسسات تعتمد على الدراسات، البيانات، والتقييم المستمر .

2 . ثقافة التخطيط طويل المدى .

السياسات تبنى وفق رؤى تمتد لعقود، لا وفق ضغوط آنية أو مزاج عام متقلّب .

3 . التعليم النقدي .

الأنظمة التعليمية تنمّي مهارات التحليل، السؤال، وحل المشكلات، لا الحفظ فقط .

4 . فصل نسبي بين العاطفة والقرار .

في القضايا الكبرى، يترك الانفعال للإعلام أو الجمهور، بينما تدار القرارات داخل غرف تعتمد على العقل المؤسسي .

ثالثا : لماذا يهيمن الانفعال في بعض مجتمعات الجنوب؟

في المقابل، نجد في كثير من دول الجنوب ،(كحالة تحليلية عامة لا حكما مطلقا) ،أن الانفعال يلعب دورا أكبر في المجال العام، ويرتبط ذلك بعدة عوامل :

1 . ضعف المؤسسات .

حين تغيب المؤسسات القوية، يتحوّل القرار إلى ردّة فعل فردية أو ظرفية .

2 . التنشئة الاجتماعية .

في بعض البيئات، يكافأ التعبير العاطفي أكثر من التفكير النقدي، ما ينتج وعيا سريع الاستجابة، بطيء التحليل .

3 . الإعلام المهيّج .

الخطاب العام يعتمد على الإثارة أكثر من التفسير، فيغذّي الانفعال بدل تهذيبه .

4 . الضغط الاقتصادي والسياسي .

حين يعيش الفرد تحت ضغط دائم، يصبح أكثر ميلا إلى الاستجابة الفورية بدل التفكير الاستراتيجي .

5 . غياب ثقافة التراكم .

الانفعال يعيد ضبط كل شيء من الصفر، بينما الفكرة تبني على ما سبق. ومع غياب هذا التراكم، تتكرّر الأخطاء .

رابعا : هل الانفعال عيب مطلق ؟

ليس الانفعال سلبيّا في ذاته، فهو :

* محرّك للتغيير .

* دافع للاحتجاج ضد الظلم .

* طاقة إنسانية ضرورية .

لكن المشكلة تظهر عندما يتحوّل إلى بديل عن الفكرة، لا مكمّل لها.والمجتمعات المتقدمة لا تلغي الانفعال، بل تؤطّره داخل منظومة عقلانية، بحيث يكون الشرارة لا القيادة .

خامسا : نحو توازن ضروري .

النهضة لا تعني قتل العاطفة، بل إعادة ترتيب العلاقة بينها وبين العقل :

* أن نشعر، لكن نفكّر قبل أن نقرّر .

* أن نغضب، لكن نحوّل الغضب إلى مشروع .

* أن نحلم، لكن نبني الحلم بخطوات مدروسة .

إن الفارق بين مجتمعات تدار بالفكرة وأخرى يغلب عليها الانفعال ليس قدرا ثابتا، بل نتيجة لمسار طويل من التعليم، والثقافة، وبناء المؤسسات.فحين تتحول الفكرة إلى عادة،والتحليل إلى سلوك يومي،والتخطيط إلى ضرورة،عندها فقط، ينتقل المجتمع من ردّة الفعل إلى الفعل ذاته .

ويبقى السؤال المفتوح،هل نملك الشجاعة للانتقال من الانفعال الذي يريحنا لحظة، إلى الفكرة التي تبنينا زمنا ؟ .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock