
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، بات كثيرون يضعون جبر الخواطر والنفاق في كفة واحدة، مع أن بينهما مسافةً شاسعة، كالمسافة بين النور والسراب.
فجبر الخواطر خُلُقٌ نبيل، يخرج من قلبٍ يعرف قيمة الإنسان قبل قيمة المصلحة. هو كلمةٌ طيبة تُقال لتخفيف ألم، أو ابتسامة تُرسم على وجهٍ أنهكه الحزن، أو ثناءٌ صادق على جميلٍ يستحق التقدير. لا ينتظر صاحبه مكافأة، ولا يبتغي منصبًا، بل يبتغي رضا الله وإحياء الأمل في النفوس.
أما النفاق، فهو قناعٌ لامع يخفي وجهًا آخر. يمدح في العلن ويطعن في الخفاء، ويبتسم بلسانه بينما يحمل في قلبه حسابات المصالح والمكاسب. لا يرى الأشخاص كما هم، بل كما يمكن أن يخدموا أهدافه، فإذا زالت المنفعة تبدلت الكلمات، وسقط القناع.
إن جبر الخواطر لا يغيّر الحق، ولا يزيف الواقع، ولا يجمّل الخطأ. أما النفاق فيلوّن الباطل بألوان الحقيقة، ويجعل من المدح تجارة، ومن الكلمة سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.
ولذلك كان الصادق يجبر الخاطر دون أن يفرّط في المبدأ، وينصح بأدب، ويثني بصدق، ويعاتب بمحبة. أما المنافق فيوزع المديح بلا ميزان، ويمنح الألقاب لمن يستحق ومن لا يستحق، حتى تفقد الكلمات قيمتها.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى ألسنةٍ صادقة، وقلوبٍ رحيمة، تعرف كيف تواسي دون تزييف، وكيف تشجع دون مبالغة، وكيف تنصح دون تجريح. فالكلمة الطيبة صدقة، لكنها حين تُستغل لإخفاء الحقيقة تتحول إلى عبءٍ على الضمير.
ويبقى الفارق الجوهري واضحًا: جبر الخواطر يرفع الإنسان، أما النفاق فيستغل الإنسان. جبر الخواطر عبادة، والنفاق عادة. الأول يصنع المحبة، والثاني يصنع الأقنعة.
فلنجبر الخواطر بصدق، ولنجعل كلماتنا مرآةً لقلوبنا، فليس أجمل من كلمةٍ خرجت من قلبٍ صادق، ولا أقبح من مدحٍ لا يسكنه الإخلاص.



