
في زمنٍ تتبدل فيه الموازين وتختلط فيه المفاهيم، يعلو صوت الباطل حتى يكاد يُخيَّل للناس أنه هو الأصل، بينما يخفت صوت الحق حتى يُظن أنه غريب أو شاذ. لم يعد المشهد كما كان، حين كانت كلمة الحق تُقال بجرأة، وتُسمع بوضوح، ويُلتف حولها الناس طلبًا للهداية والنجاة. بل أصبحنا أمام واقعٍ مؤلم، يتراجع فيه أهل العلم، ويصمت فيه كثير ممن يعلمون، في مقابل جرأةٍ متزايدة لأهل الجهل والفساد.
إن أخطر ما يواجه الأمة اليوم ليس فقط انتشار الباطل، بل صمت من يعرفون الحق. فالباطل بطبيعته صاخب، لا يعيش إلا في الضوضاء، ولا ينتشر إلا حين يجد فراغًا يملؤه. وهذا الفراغ لا ينشأ إلا حين يتخلى أهل الحق عن دورهم، أو يترددوا في أداء واجبهم. فالصمت في موضع البيان خذلان، والتراجع في موطن المواجهة ضعف، والسكوت عن الخطأ إقرار له بطريقة غير مباشرة.
لقد كانت هذه الأمة يومًا ما “خير أمة أُخرجت للناس”، لا لأنها بلا أخطاء، ولكن لأنها كانت تقوم على مبدأ عظيم: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا المبدأ لم يكن شعارًا يُرفع، بل كان سلوكًا يُمارس، ومسؤوليةً يتحملها كل فرد بحسب علمه وقدرته. أما اليوم، فقد أصبح هذا الدور غائبًا أو خافتًا عند كثيرين، إما خوفًا، أو ترددًا، أو رغبةً في السلامة الشخصية.
وفي المقابل، نجد من يجاهرون بالباطل، ويهاجمون ثوابت الدين، ويُظهرون الفساد وكأنه حرية، والانحراف وكأنه تقدم. والأخطر من ذلك، أن بعض أبناء الأمة أنفسهم أصبحوا أدواتٍ في هذا التيار، يرددون ما يُملى عليهم دون وعي أو إدراك، ويهاجمون ما يفترض أن يدافعوا عنه.
إن الإسلام ليس مجرد شعائر تُؤدى، بل هو شريعة متكاملة، ومنهج حياة، وأسلوب في التفكير والسلوك. وإذا تم عزله عن واقع الناس، أو حُصر في نطاق ضيق، فقدت الأمة توازنها، وابتعدت عن مصدر قوتها الحقيقي. فالقضية ليست في وجود الباطل، فالباطل موجود في كل زمان، ولكن القضية في غياب من يواجهه بالحق.
ولا يعني هذا أن الجميع صامتون أو متخاذلون، فهناك من لا يزالون ثابتين، يقولون الحق، ويؤدون واجبهم، ولكنهم قلة في بحرٍ من الصمت. وهذه القلة تحتاج إلى دعم، وإلى أن يُكسر حاجز الخوف عند الآخرين، لأن الحق إذا لم يجد من يحمله، ضاع بين الألسنة، وتاه بين المصالح.
إن إصلاح هذا الواقع لا يبدأ من الآخرين فقط، بل يبدأ من كل فرد. من مراجعة النفس، ومن استحضار المسؤولية، ومن إدراك أن الصمت ليس حيادًا دائمًا، بل قد يكون انحيازًا غير معلن. وأن كلمة الحق، وإن كانت ثقيلة، فهي طريق النجاة، في الدنيا قبل الآخرة.
في النهاية، سيبقى الصراع بين الحق والباطل قائمًا، ولكن الذي يحسمه في كل مرة هو موقف الناس: هل يقفون مع الحق ولو كان ضعيف الصوت، أم ينجرفون خلف الباطل لأنه مرتفع الصدى؟ وهنا تكمن المسؤولية، وهنا يظهر صدق الإيمان من زيفه.



