
في الشرق الأوسط، لا تتوقف الحروب عند حدود الجغرافيا، بل تمتد آثارها إلى الأسواق، وأسعار الطاقة، وحركة التجارة، وحتى إلى موائد المواطنين. ومن هنا، ينظر المصري إلى أي تصعيد في المنطقة بعين تختلف عن كثير من المتابعين؛ فهو يدرك أن الصواريخ قد تُطلق في مكان، لكن فاتورتها الاقتصادية قد تصل إلى القاهرة بعد أيام قليلة.
تحتل إيران موقعًا محوريًا في هذه المعادلة. فمنذ عقود، تبنى نظامها بقيادة علي خامنئي سياسة تقوم على تعزيز القدرات العسكرية وتوسيع النفوذ الإقليمي، باعتبار ذلك وسيلة لحماية الأمن القومي وردع الخصوم. وفي المقابل، واجه الاقتصاد الإيراني سنوات طويلة من العقوبات والضغوط، وهو ما انعكس على معدلات التضخم، وقيمة العملة، ومستوى معيشة قطاعات واسعة من المواطنين.
هذه المفارقة تثير تساؤلًا مهمًا: هل تستطيع أي دولة أن تحقق نفوذًا إقليميًا مستدامًا إذا كان اقتصادها يعاني من ضغوط متواصلة؟ أم أن النفوذ العسكري يحتاج، في نهاية المطاف، إلى قاعدة اقتصادية قوية تضمن استمراره؟
ويزداد هذا السؤال أهمية عند الحديث عن مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. فكل توتر في هذه المنطقة ينعكس سريعًا على أسعار النفط، وتكاليف الشحن، وأقساط التأمين، لتجد دول بعيدة عن ساحة الصراع نفسها مطالبة بدفع ثمن أزمة لم تكن طرفًا فيها.
ومن منظور مصري، تبدو الصورة أكثر حساسية. فاستقرار المنطقة يرتبط بحركة التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، وإيرادات قناة السويس، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة في الاقتصاد الوطني. لذلك، تحرص القاهرة على دعم جهود التهدئة وخفض التصعيد، انطلاقًا من إدراكها أن أي مواجهة واسعة لن يكون لها منتصر اقتصادي، حتى وإن حقق أحد الأطراف مكاسب عسكرية مؤقتة.
ويبقى السؤال الأكثر إثارة للنقاش: هل كان اغتيال علي خامنئي كفيلًا بكسر نفوذ إيران وحلفائها في المنطقة؟
هناك من يعتقد أن غياب القائد الأعلى كان سيُحدث ارتباكًا داخل النظام الإيراني، وربما يفتح الباب أمام مراجعات في بعض السياسات. وفي المقابل، يرى آخرون أن النفوذ الإيراني لا يرتبط بشخص واحد، بل بمؤسسات، وأجهزة، وشبكة من العلاقات الإقليمية تشكلت عبر سنوات، وهو ما يجعل اختزال المشهد في شخص واحد قراءة لا تعكس كل أبعاده.
والتاريخ يقدم أمثلة عديدة على أن تغيير القيادات لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير السياسات أو إنهاء النفوذ، فالدول تُدار بالمؤسسات والمصالح، وليس بالأفراد وحدهم.
ومن هنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كانت إيران حجر عثرة أمام بعض التصورات الإسرائيلية لإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط؟
يرى بعض المحللين أن القدرات العسكرية الإيرانية، إلى جانب شبكة علاقاتها الإقليمية، فرضت على إسرائيل حسابات أمنية معقدة، وجعلت أي مشروع لإعادة رسم موازين القوى أكثر صعوبة. بينما يرى آخرون أن مستقبل المنطقة لا تحدده دولة واحدة، وإنما تصنعه توازنات إقليمية ودولية، ومصالح اقتصادية، وتحولات سياسية تتداخل فيها أدوار قوى متعددة.
وفي هذا السياق، فرضت الحرب في غزة أسئلة تتجاوز الميدان العسكري. فقد رأى بعض المحللين أن حجم العمليات العسكرية وما خلفته من دمار حمل رسالة ردع إلى أطراف أخرى في المنطقة بشأن كلفة أي مواجهة مستقبلية. بينما يرى آخرون أن الحرب كشفت حدود القوة العسكرية وحدها، وأن تحقيق الأمن الدائم يتطلب حلولًا سياسية مستدامة، إلى جانب احترام قواعد القانون الدولي وحماية المدنيين.
كما تركت الحرب أثرًا واضحًا على صورة إسرائيل في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي. فقد تصاعدت الانتقادات في عدد من الدول والمنظمات الدولية والحقوقية، واتسعت الدعوات المطالبة بحماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي الإنساني. وفي المقابل، استمرت بعض الدول في تقديم دعم سياسي وأمني لإسرائيل، بما يعكس استمرار تباين المواقف الدولية وتعقيد المشهد.
ومن منظور اقتصادي، فإن استمرار الصراعات يحمل كلفة باهظة على الجميع. فالمستثمر يبحث عن الاستقرار، والتاجر يحتاج إلى طرق بحرية آمنة، والمواطن ينتظر أسعارًا معقولة وفرص عمل أفضل. لذلك، أصبح الأمن الاقتصادي جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي، ولم يعد من الممكن الفصل بين السياسة والاقتصاد في عالم تتشابك فيه المصالح.
وفي النهاية، قد تختلف الدول في رؤيتها للردع، وقد تتباين مواقفها السياسية، لكن الحقيقة الثابتة أن ثياب الاقتصاد، إذا تمزقت، لا تخفيها أي شعارات، بينما تبقى التنمية، والتعاون، واحترام القانون، هي الأساس الذي تُبنى عليه قوة الدول واستقرار المنطقة.
ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ هو أن الهيمنة العسكرية قد تفرض واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة مستقبل دائم. فالأمم ذات الجذور الحضارية العميقة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قوة، بل بقدرتها على النهوض بعد الأزمات، وإعادة بناء الإنسان قبل العمران. لذلك، فإن السلام العادل، والتنمية الشاملة، واحترام كرامة الإنسان، تظل أكثر بقاءً من أي انتصار عسكري عابر، لأن الأمم لا تُكسر بالقوة العسكرية وحدها، بل تنهض ما دامت تمتلك إرادة الحياة وإرثًا حضاريًا يحفظ هويتها.



