مقالات وآراء

حين تتكلم الجغرافيا

بقلم -أشرف ماهر ضلع

في الشرق الأوسط لا تتحرك السياسة وحدها، بل تتحرك معها الجغرافيا ككائنٍ قديم يعرف أسرار الأرض أكثر مما يعرفها الساسة.

تُوقّع الاتفاقات، تتبدل التحالفات، تتغير الوجوه، لكن الخرائط تظل تُمسك بخناق الجميع، تُعيدهم كل مرة إلى الحقيقة الأولى: لا يمكن صناعة شرق أوسط جديد دون الاعتراف بالأوزان الحقيقية للدول.

ومن هنا جاءت زيارة عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الإمارات العربية المتحدة، زيارة بدت في ظاهرها بروتوكولية، لكنها في عمقها كانت أقرب إلى جلسة حسابات عاجلة داخل غرفة إقليمية مغلقة، حيث تتزاحم فوق الطاولة ملفات غزة والسودان والبحر الأحمر وإيران والاقتصاد العالمي المتوتر.

فالمنطقة لم تعد تعيش زمن الأزمات العابرة، بل دخلت مرحلة “تراكب العواصف”، حيث تتشابك السياسة بالأمن بالاقتصاد بالطاقة، حتى صار سقوط حجرٍ في الخرطوم يُسمع صداه في القاهرة وأبوظبي والرياض وواشنطن.

وقد قرأ كثير من السياسيين والمحللين هذه الزيارة باعتبارها رسالة واضحة بأن القاهرة وأبوظبي تدركان أن الإقليم يقف فوق أرض رخوة، وأن زمن الاطمئنان القديم انتهى.

فالحرب في السودان لم تعد شأنًا سودانيًا داخليًا، بل تحولت إلى قنبلة جغرافية مفتوحة تهدد أمن البحر الأحمر وحدود مصر ومصالح الخليج معًا.

أما غزة، فقد أعادت ترتيب خرائط النفوذ والتحالفات، وكشفت أن المنطقة كلها قابلة للاشتعال في أي لحظة.

وسط هذا المشهد، برز سؤال ظل يتردد بقوة:

هل أعادت التطورات الإقليمية الاعتبار لثقل مصر بعد سنوات حاول فيها البعض بناء ترتيبات تتجاوزها؟

الواقع وحده يبدو وكأنه يجيب.

فمهما تعاظمت الأدوار الاقتصادية أو الإعلامية أو حتى العسكرية لبعض القوى الإقليمية، بقيت مصر تملك ما لا تمنحه الأموال وحدها: الجغرافيا والتاريخ والكتلة البشرية والجيش والموقع.

ليست المسألة مجرد عاطفة قومية أو حنين إلى زمن قديم، بل حقائق قاسية تفرض نفسها كلما اشتدت الأزمات.

فقناة قناة السويس ليست مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصاد عالمي.

والحدود المصرية مع غزة وليبيا والسودان ليست خطوطًا على ورق، بل خطوط تماس مع أخطر بؤر التوتر في المنطقة.

لهذا اكتشف كثيرون أن محاولة بناء معادلات إقليمية بعيدًا عن القاهرة تشبه محاولة كتابة معادلة رياضية مع حذف الرقم الأثقل فيها؛ قد تبدو المعادلة جميلة على الورق، لكنها سرعان ما تنهار أمام الواقع.

وفي المقابل، فإن الجدل حول دور الإمارات العربية المتحدة لا يزال قائمًا بقوة.

فهناك من يرى أنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب إقليمي واسع النفوذ، يمتلك المال والحركة والقدرة على التأثير في ملفات عديدة من ليبيا إلى السودان واليمن.

بينما يرى منتقدوها أن بعض تدخلاتها ساهمت في تعقيد الصراعات أو إطالة أمدها، خصوصًا حين تتداخل المصالح الاقتصادية بالنفوذ السياسي والعسكري.

لكن السياسة لا تُقرأ دائمًا بلغة الاتهام البسيطة.

فالإمارات، مثل غيرها من القوى الإقليمية، تتحرك وفق تصورها لأمنها ومصالحها ومكانتها، في عالم لم يعد يعترف بالحياد الكامل.

ولذلك فإن العلاقة بينها وبين مصر تبدو أحيانًا كعلاقة مركبين في بحرٍ هائج؛ قد تختلف زوايا الإبحار، لكن العاصفة الواحدة تفرض في النهاية الاقتراب لا الابتعاد.

أما الولايات المتحدة، الحاضر الغائب في كل ملفات الشرق الأوسط، فلم تعد تُدير المنطقة بالطريقة القديمة نفسها.

صحيح أنها ما زالت القوة العسكرية الأكبر، لكن حلفاءها باتوا يشعرون أن المظلة الأمريكية لم تعد كافية وحدها، وأن واشنطن أصبحت أكثر ميلًا لإدارة الأزمات من بعيد، لا الغرق الكامل داخلها.

وهنا تحديدًا عاد الدور المصري ليظهر بوضوح أكبر.

ففي لحظات الاضطراب الكبرى، تبحث الدول عن “الدولة الثقيلة”، لا عن الدولة اللامعة فقط.

والفرق بينهما كبير؛ فالدولة اللامعة قد تخطف الأبصار سريعًا، أما الدولة الثقيلة فهي التي تمنع الطاولة من الانقلاب حين تهتز الأرض.

إن الشرق الأوسط اليوم لا يعيش صراع نفوذ فقط، بل يعيش لحظة إعادة تعريف للقوة نفسها.

القوة لم تعد طائرات ودبابات وأموالًا فحسب، بل قدرة على البقاء والتماسك وتحمل الزلازل السياسية دون سقوط كامل.

ومن هنا يمكن فهم كثير من التحركات الأخيرة، ليس باعتبارها مجاملات دبلوماسية، بل باعتبارها اعترافًا صامتًا بأن المنطقة، مهما حاولت إعادة رسم خرائطها، ستظل مضطرة للعودة إلى حقائقها الكبرى.

وفي مقدمة تلك الحقائق تبقى مصر…

الدولة التي قد يختلف حولها كثيرون، لكنهم في لحظات الخطر يكتشفون أن تجاهلها أصعب من مواجهتها، وأن الجغرافيا القديمة لا تزال حتى

اليوم تكتب السياسة بحبرٍ لا يجف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock