مقالات وآراء

حين تحول الزمن إلى سباق… وفقد الإنسان حقه في التمهل

بقلم / طارق فتحي السعدني

لم نعد نعيش الحياة كما عاشها من قبلنا بل أصبحنا نطاردها.
نستيقظ على صوت الإشعارات و ننام على قلق التأخير،
وبين هذا وذاك ندخل سباقا يوميًا لا نعرف متى بدأ ولا إلى أين ينتهي.
صرنا نريد كل شيء الآن:
النجاح بلا انتظار،
المال بلا تعب طويل،
الشهرة بلا تجربة،
حتى الراحة نفسها نريدها بشكل فوري.
و كأن الزمن لم يعد مساحة للحياة بل تحول إلى عداد يطارد أعصاب البشر في كل لحظة.
في الماضي كان الإنسان يدرك أن لكل شيء أوانه وأن الثمار لا تنضج قبل وقتها،
أما اليوم فقد أصبحت السرعة ثقافة عامة تقاس بها قيمة الإنسان،
وكأن التأخر في الوصول يعني الفشل أو أن التمهل أصبح عيبا لا يليق بعصر التكنولوجيا.
المشكلة الحقيقية ليست في السرعة ذاتها بل في ذلك الضغط النفسي الخفي الذي صنعته داخل الإنسان دون أن يشعر.
أصبح الشاب يقارن نفسه بغيره كل دقيقة يرى نجاحات سريعة على مواقع التواصل،
فيتصور أن الحياة سباق قصير بينما الحقيقة أنها رحلة طويلة مليئة بالمراحل والخسائر والتجارب.
لقد فقد كثيرون قدرتهم على الصبر، ليس لأنهم ضعفاء بل لأن العالم من حولهم لم يعد يمنحهم فرصة للتأمل أو التدرج الطبيعي.
كل شيء أصبح “فوريا”:
الرسائل الطلبات الأخبار وحتى العلاقات الإنسانية أصبحت تبنى وتنهار بسرعة مخيفة.
ومع الوقت تحول الإنسان إلى كائن مرهق نفسيا يركض طوال الوقت لكنه لا يشعر بالوصول.
الأخطر من ذلك أن السرعة سرقت من الناس لذة التفاصيل الصغيرة؛
فلم يعد أحد يستمتع بخطوات النجاح بل أصبح الجميع منشغلين فقط بخط النهاية.
ولهذا زادت حالات التوتر و الاحتراق النفسي والشعور الدائم بأن العمر يسبقنا مهما فعلنا.
إن أخطر ما فعلته الحياة الحديثة أنها أقنعت الإنسان بأن قيمته فيما ينجزه بسرعة لا فيما يبنيه بثبات.
بينما الحقيقة الكبرى التي تجاهلها كثيرون هي أن الأشياء العظيمة لا تولد مستعجلة بل تنمو بهدوء و تترسخ بالصبر وتبقى لأنها أخذت وقتها الطبيعي.
ربما نحن لا نحتاج إلى حياة أسرع
بل إلى قلوب أكثر هدوءا، وعقول تؤمن أن التأخر أحيانا ليس هزيمة،
بل نضجا، وأن الطريق الطويل قد يكون أكثر أمانا من الوصول السريع.
فالإنسان الذي يعرف متى يتمهل
هو وحده القادر على أن يصل دون أن يفقد نفسه في الطريق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock