
ليست الحدود في الشرق الأوسط مجرد خطوط مرسومة على خرائط استعمارية قديمة، بل هي اليوم ساحات لتجارب عسكرية وسياسية جديدة. فبعد أن فرضت إسرائيل ما يعرف بـ”الخط الأصفر” في قطاع غزة، محوّلة إياه من منطقة عازلة مؤقتة إلى حدود فعلية تقسم القطاع وتسيطر على أراضيه، ها هي تعيد الكرة نفسها شمالاً. ففي جنوب لبنان، وتحت ذريعة الأمن وردع “حزب الله”، بدأ الجيش الإسرائيلي يرسم خطوطاً جديدة، يهدم قرى كاملة، ويمنع سكان عشرات البلدات من العودة إلى منازلهم. السيناريو ذاته، والأدوات نفسها، والهدف واحد: فرض وقائع ميدانية جديدة تعيد تشكيل الخريطة الجغرافية والأمنية للبنان، تماماً كما حدث في غزة.
فهل يواجه لبنان مصير القطاع المحاصر؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تتبع تحوّل “الخط الأصفر” من ترتيب تكتيكي مؤقت إلى عقيدة إسرائيلية جديدة تهدف إلى فرض وقائع ميدانية، أولاً في غزة، ثم في لبنان.
—
غزة: حين تحولت المنطقة العازلة إلى حدود دائمة
في البداية، بدأ الأمر كمنطقة عازلة مؤقتة ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار. لكن سرعان ما أقام الجيش الإسرائيلي مواقع دائمة تمتد على طول 58% من أراضي القطاع، لتفصل شماله عن جنوبه وتسيطر على أراضٍ زراعية ومحور صلاح الدين الحيوي.
النتيجة؟ قُتل مئات الفلسطينيين لمجرد الاقتراب من هذا الخط. وأصبح، وفق تصريحات قادة الجيش الإسرائيلي، “حدوداً دفاعية جديدة” لن يتراجع عنها الجيش مهما حدث. لم يعد الأمر تكتيكاً مؤقتاً، بل تحول إلى استراتيجية ثابتة.
لبنان: تكرار السيناريو نفسه.. لكن هذه المرة شمالاً
بعد أن ثبت نجاح النموذج في غزة (من وجهة النظر الإسرائيلية)، حان دور الحدود الشمالية. هذه المرة، أيقنت إسرائيل أن نزع سلاح “حزب الله” بشكل كامل غير واقعي، فاختارت البديل: رسم خط أصفر جديد جنوب نهر الليطاني، بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات.
كيف نفذته؟ هدمت قرى كاملة، وطردت سكان 55 قرية على الأقل، ومنعت عودتهم. والأكثر تطرفاً، أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دعا صراحة إلى جعل نهر الليطاني الحدود الجديدة للدولة العبرية.
ببساطة، لم تعد إسرائيل تنتظر التهديد على حدودها. أصبحت تذهب إلى ما وراءها لإنشاء “أحزمة أمنية” داخل أراضي جيرانها، حتى لو كان الثمن تدمير القرى وتهجير السكان.
هذا ليس مجرد إجراء دفاعي. إنه تحول استراتيجي خطير: من الدفاع عن الحدود إلى فرض حدود جديدة بالقوة. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: من يكون التالي بعد غزة ولبنان؟



