فن وثقافة

‏زينب أسطورة الصعيد ‏الفصل الرابع: أسطورة “النداهة”.. والرعب الذي هزّ الثكنات

‏بقلم /محسن رجب جودة 

 

‏تحول المعسكر الإنجليزي في المنيا إلى جزيرة من القلق تحيط بها أمواج من الظلام الدامس. لم يعد الجنود يخشون الرصاص أو القنابل، بل أصبحوا يخشون “الصمت”. ذلك الصمت الصعيدي الثقيل الذي يسكن الحقول بعد منتصف الليل، والذي بدا وكأنه يملك ألف عين تترصدهم، وألف يدٍ تمتد لتختطفهم من قلب الحراسة.

‏داخل الثكنات، كانت الهمسات تتصاعد بين الجنود الإنجليز، همسات تتحدث عن “امرأة متشحة بالسواد” تظهر وتختفي كالسراب، وعن أصوات نداء غامضة تأتي مع الريح، تشبه نداء الأمهات أو زوجاتهم اللواتي تركهنّ في لندن.

‏لم تكن زينب تكتفي بالسكين؛ بل اكتشفت قوة “الخوف”. كانت تستغل أساطير القرية القديمة عن “النداهة” التي تسحر الرجال وتقتادهم إلى حتفهم في النيل أو باطن الأرض. كانت تقف في أطراف الحقول، وتصدر أصواتاً تشبه صفير طيور الليل الحزينة، أو تنادي بأسماء الجنود التي التقطتها آذانها أثناء مراقبتها للمعسكر.

‏كانت تهمس بالاسم: “جيمس…”.. “ويليام…”.. بصوتٍ رخيم يختلط بحفيف أوراق الشجر. والجندي، المنهك نفسياً من الغربة والوحدة، كان يتخيل أنه يسمع صوتاً مألوفاً، فيتحرك نحو الظلام كالمسحور، تاركاً بندقيته، ليرتمي في حضن الموت الذي ينتظره ببرودة السكين.

‏أصدر القائد “أرثر” أوامر مشددة بمنع خروج أي جندي بمفرده، وبزيادة الإضاءة حول المعسكر. لكن المصابيح الزيتية كانت تخبو فجأة، والأسلاك الشائكة كانت تُقطع بصمتٍ مريب.

‏في إحدى الليالي، وُجدت خوذة أحد الحراس معلقة على غصن نخلة عالية في وسط الحقل، وتحتها بقعة دم صغيرة جفت تحت الشمس. لم يكن هناك جثة، ولم يكن هناك أثر لصراع. كان الأمر يبدو وكأن الأرض قد انشقت وابتلعت الجندي بزيه وسلاحه.

‏بدأ الجنود يرفضون الخروج للدوريات الليلية، وادعى بعضهم الجنون، بينما كان الآخرون يقضون ليلهم في الصلاة أو شرب الخمر لنسيان ذلك “النداء” المرعب. لقد نجحت زينب في تحويل جيش الإمبراطورية العظيم إلى مجموعة من الأطفال الخائفين من “البعبع” الصعيدي.

‏الحصاد المستمر

‏مع نهاية ذلك الأسبوع، كانت زينب قد أتمت دفن جنديها الثاني عشر. كانت تجلس في دارها، تمسح نصل سكينها بقطعة من القماش، وتنظر إلى “محيي” في صورته المعلقة، وكأنها تقول له: “يا محيي.. الرعب اللي في قلوبهم النهاردة، هو تمن الوجع اللي شفته في عيونك وأنت بتموت.”

‏لقد صارت زينب هي “النداهة” الحقيقية، والمنيا بأكملها صارت فخاً كبيراً لا يخرج منه “الخواجة” حياً…. انتظرونا في الفصل الخامس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock