
يا عباد الله لا تيأسوا من روح الله، وعليكم بالأمل في زمن الإنكسار، فإن اليأس ظلمة تثقل الروح، وتحبسها في دائرة الألم، أما الرجاء فهو النور الذي يعيد للإنسان توازنه، ويوقظ فيه القدرة على النهوض من جديد، ومن عرف الله حقا، علم أن أبوابه لا تغلق، وأن خزائن رحمته لا تنفد، وأن ما عنده أعظم من كل ما فقد، لذلك حذر نبي الله يعقوب عليه السلام أبناءه من أن يتملكهم اليأس، وأمرهم أن يكونوا على يقين في الله تبارك وتعالى وقدرته، حيث قال تعالى ” ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ” وقال الإمام الطبري يا عباد الله لا تقنطوا من أن يروّح الله عنا ما نحن فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرج من عنده، إنه لا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه إلا القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاءَ تكوينه، وقال ابن عطية والروح أي الرحمة، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين.
إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى، ويا عباد الله لقد ضرب نبى الله يوسف عليه السلام المثل، ضرب مثلا عاليا في رفض الحقد من نفسه، تصور وتأمل فيما فعل دلالة على عظم خُلقه ومنزلته وأخلاق نبوته، لقد ظلمه إخوانه ظلما بينا عظيما، فحقدوا عليه فماذا فعلوا به؟ حسدوه على هذه المنزلة من أبيه، ظلموه ظلما عظيما، منذ الصغر أخذوه من بين أبيه وأمه، وأغلظوا له، واجتمعوا حوله في العراء، لم يردعهم صغر سنه، ولا الغربة والوحشة التي سيكون فيها، ولا توصية أبيهم لهم، حرموه من أبيه وأمه وأخيه الأصغر، وألقوه في غيابة الجب، في ظلمته ووحدته ووحشته، لا أنيس، على شفا هلكة، يصرخ ولا يجيب، ما في قلوبهم رحمة في تلك اللحظات، وكانوا سببا في بيعه واستعباده، صار عبدا ذليلا، وقد كان حرا عند أبيه، وإن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند.
وليس من اليسير على النفس أن تنتقل من حال الحرية إلى حال الذل والعبودية، ولكن ألقوه في غيابة الجب، وصار سببا في بيعه في سوق مصر، سوق النخاسة، واشتري عبدا ذليلا، ثم كانت هذه الغربة سببا في ابتلائه ووقوعه وذهابه إلى السجن لأنه لما وقع في قوم لا يعرفون قدره كادوا له وسجنوه، والمسألة كلها متسلسلة هذه الأذية من الأذية الأولى، وهي إلقاء إخوته له بالجب، لما حسدوا حقدوا عليه وفعلوا ما فعلوا، وإن هذه الأفعال في الشخص العادي ماذا تورث؟ ما هو المتوقع؟ وهى أن تورث الحقد الأسود الدفين عليهم، لكن نفس النبي الكريم تأبى هذا، والقلب الصافي لا يمكن أن يحقد، ولذلك لما قدر عليهم نبى الله يوسف عليه السلام، ليس قبل أن يقدر عليهم سامحهم، والمتوقع الآن إنزال أقصى درجات العقوبة بهؤلاء لما قدر عليهم، قال لهم كما جاء فى سورة يوسف ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”
فهذا أخلاق الأنبياء، فإذن، عندما تتوالى دواعي الحقد في نفس الإنسان، ويُظلم من أقرب الناس إليه، ثم لا يحقد، معناها أنه صاحب دين وإيمان، وقال النبى الكريم صلى الله عليه وسلم مبينا وموضحا خطورة الحقد ” ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين “رواه أبو داود وأحمد،لأن الصيام والصلاة والصدقة عبادات عظيمة، وإصلاح ذات البين نفعها متعدد منتشر، وقيل فإن فساد ذات البين تفسد ذات البين بأي شيء؟ يفسد ذات البين بالحقد والبغضاء والشحناء، وقال صلى الله عليه وسلم “إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة ” رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم “فإن فساد ذات البين هي الحالقة” رواه الترمذي وأحمد، ولكن ما هي الحالقة؟ فهى التي تحلق الإيمان كما تحلق الموس شعر الرأس، ولذلك فقال أبو الدرداء “ألا أحدثكم بما هو خير لكم من الصدقة والصيام؟ صلاح ذات البين،
ألا وإن البغضاء هي الحالقة” رواه البخاري، والحالقة هي الماحية للثواب، ولذلك ورد في الرواية الأخرى ” دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر” رواه الترمذي، فحالقة الدين تحلق الدين كما يحلق الموس الشعر، وسمي الداء لأنها داء القلب، والحقد يؤدي إلى ثمانية أشياء وهى تمني زوال النعمة عمن تحقد عليه، والتشمت به إذا أصابه البلاء، ومهاجرته ومصارمته وإن طلبك، والإعراض عنه استصغارا له والتكلم بالكذب والغيبة وإفشاء السر وهتك الستر في حقه، ومحاكاته استهزاء به وسخرية منه، وإيذائه وإيلامه بما يؤذي ويؤلم بدنه من ضرب، وغيره، والتمنع من حق من قضاء دين أو صلة رحم أو رد مظلمة، وهذا كله من شؤم الحقد، وما يؤدي إ
ليه الحقد.



