مقالات وآراء

ميزان الكلمة وخطورتها إذا خرجت من غير أهلها

بقلم -كامل عبد القوي النحاس

ليست الخطورة في كثرة الكلام…

بل في الكلام حين يُقال بلا علم.

كلمة في الطب قد تؤخر علاجًا.

كلمة في الفكر قد تزرع شكًا.

كلمة في الدين قد تُحدث اضطرابًا في الإيمان.

 

في عالمٍ صار فيه النشر لحظيًا، والانتشار أسرع من التثبت،

تحولت الكلمة من رأي يُسمع… إلى أثرٍ يُصيب.

 

حين يُفتي غير المختص في الطب… يتحول الرأي إلى ضرر

 

فالطب علم دقيق قائم على التخصص والدليل والتجربة، لا على الانطباع أو التجربة الفردية.

 

لكن حين يتصدر غير المؤهلين، يتحول الأمر من نقاش علمي إلى مخاطرة حقيقية.

وقد أُثير جدل حول أطروحات نُسبت إلى الدكتور ضياء العوضي رحمه الله في المجال الطبي، مع تحذيرات من مختصين من ترك العلاج الطبي المعتمد والاعتماد على تصورات غير منضبطة.

ونقل أطباء شهادات مهنية عن حالات تأخرت بسبب الانقطاع عن العلاج، مما أدى في بعض الحالات إلى فقدان فرصة التدخل المبكر.

وهنا تتضح القاعدة بلا مواربة:

ما يُقال في الطب ليس رأيًا حرًا… بل أثره قد يكون حياة أو موتًا.

ميزان الشرع: لا علم بلا مسؤولية

قال الله تعالى:

ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا

الإسراء 36

الآية تُحمّل الإنسان مسؤولية كاملة عن مصادر معرفته:

ما يسمع

ما يرى

ما يعتقد

وما ينطق به

فليس الكلام مجرد تعبير… بل أمانة يُسأل عنها صاحبها.

التداوي أصل شرعي لا يُترك للظن

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء

رواه الترمذي

وهذا أصل واضح:

أن باب العلاج باب علمٍ وخبرة، لا باب اجتهادٍ فردي بلا أدوات.

فترك العلاج الموثوق بلا علمٍ ولا بديلٍ معتبر… ليس توكلًا، بل تعريضٌ للنفس للخطر.

 

في العقيدة: الكلمة أخطر أثرا

 

إذا كان الخطأ في الطب يمس الجسد، فالخطأ في العقيدة يمس الإيمان.

قال الله تعالى:

ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب

النحل 116

فالتحليل والتحريم ليسا مساحة رأي… بل مقام علمٍ ودليل.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما

متفق عليه

فالكلمة هنا ليست توصيفًا… بل حكمٌ له تبعات خطيرة.

حين يتكلم “المثقف” خارج تخصصه

أخطر صور الانزلاق المعاصر ليست في الجهل الصريح…

بل في الجهل حين يتكلم بثقة الثقافة.

فيتحدث في:

الطب بلا أدوات الطب

والدين بلا أدوات الفقه

والفكر بلا منهج علمي

ثم ينتقل من الشرح إلى الحكم، ومن الرأي إلى الإلزام، ومن التحليل إلى القطع.

وهنا يبدأ الخلل الحقيقي:

تساقط الفواصل بين العلم والانطباع.

معيار الحسم: لا دعوى بلا دليل

قال الله تعالى:

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين

البقرة 111

فالقول في ميزان العلم لا يُقبل إلا ببرهان.

وقال الله تعالى:

إنما يخشى الله من عباده العلماء

فاطر 28

فالخشية ليست صوتًا عاليًا… بل علمٌ منضبط يورث الوقوف عند الحد.

الخلاصة

الكلمة قد تبدو بسيطة…

لكن أثرها قد يكون عميقًا:

تؤخر علاجًا

تربك عقلًا

تُحدث خللًا في اليقين

ولهذا جاء الميزان الإلهي واضحًا:

ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا

الإسراء 36

فليتكلم الإنسان فيما يعلم، وليصمت فيما لا يحسن،

فما وراء العلم… ليس رأيًا، بل مسؤولية.

فبعض الكلمات لا تُنسى لأنها صحيحة… بل لأنها أفسدت ما لا يُصلح بسهولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock