
كانت الرحلة تبدأ دائماً قبل بزوغ خيوط الشمس الأولى، حين يهمس أبي بصوته الرخيم معلناً شد الرحال نحو “الغيط”. في السيارة، كانت معدات الصيد تتقاسم معنا المقاعد، وصوت ارتطام الأمواج المتخيلة في رؤوسنا يسبقنا إلى هناك. وما إن نصل إلى ضفة النهر، حتى تبرز هي كحارس أسطوري للزمان والمكان.. “شجرة التوت”.
كنت آنذاك في المرحلة الثانوية، أحمل في قلبي تمرد المراهقة وفي روحي براءة الطفولة. ما إن تلامس قدماي الأرض الطينية حتى ألقي عن كاهلي كل قيود المدينة، أفك قيد شعري وأطلقه للريح تداعبه همسات الهواء العليل، وكأن كل خصلة منه تستنشق الحرية. كنت أفرد حصيرة بلاستيكية زاهية الألوان تحت ظلال الشجرة الوارفة، وأستلقي مراقبةً رقص الأوراق في الأعلى.
لم تكن الشجرة تبخل علينا؛ فمع كل نسمة هواء، كانت حبات التوت الناضجة، السوادء منها والبيضاء، تتساقط بجانبي كحبات لؤلؤ منثور. كنت ألتقطها بأصابع تلونت بلونها الأرجواني، وأتذوقها ببطء، فكان طعمها ينساب في جوفي كعسل مصفى، يحمل نكهة الأرض والندى.
وفي ركن قريب، كانت الطقوس الأكثر دفئاً تبدأ. أشارك أمي في إعداد “الراكية”، نجمع أعواد الحطب الجافة وقشور الذرة، وننفخ في النار حتى يتصاعد الدخان برائحته المحببة. نضع السمك الذي اصطاده أبي لتوه فوق الصاج، فتمتزج رائحة الشواء بعبير الأرض المرتوية. لم يكن هذا الدخان مجرد علامة على النضج، بل كان بمثابة “نداء المحبة” لكل من في الحقول المجاورة.
وعلى وقع رائحة السمك، كان الجيران من أهل الريف يظهرون بوجوههم البشوشة. يأتي الفلاحون حاملين في أحضانهم خيرات الغيط؛ رؤوس الخرشوف الطازجة، وحزم النعناع الأخضر الذي يملأ المدى بعطره، وكيزان الذرة التي تشوى وسط ضحكاتنا المشتركة. أما الفتيات الصغيرات، فكن يتسابقن باتجاه البيوت البعيدة، ليعدن بـ “العيش الفلاحي” الساخن، يقدمونه لنا كواجب ضيافة مقدس ونحن نتحصن بفيء شجرتنا الكبيرة.
وسط تلك الأجواء، كانت الفلاحات يرمقنني بنظرات يمتزج فيها الحنان بالخوف الفطري من “الحسد”. تقترب إحداهن وتمسح على كتفي قائلة بلهجة ريفية عذبة: “يا عيني عليكِ يا صبية، جمالك يرد الروح، بس يا عيني عليكِ متصابة والعين عليكِ حارسة”. كنت أستقبل كلماتهن بضحكة مجلجلة تنبع من أعماق قلبي، وأجيبهن بذات العفوية: “ما تخافوش يا خالاتي، الخلو ما يكملش!”.
تحت شجرة التوت تلك، تعلمت أن السعادة ليست في المظاهر، بل في لقمة مغموسة بالرضا، وضحكة صادقة وسط أناس لا يعرفون التكلف، وفي تلك اللحظة التي ينام فيها العالم، وأبقى أنا وشعري في حضرة الريح وتحت حماية أغصان التوت.



