
في مشهد جمع بين الدين والسياسة بمهارة إيرانية خالصة، تحولت مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي إلى منصة دبلوماسية من طراز فريد. لم تكتف طهران باستقبال وفود 87 دولة بحفاوة رسمية، بل مضت أبعد من ذلك: خاطبت كل وفد بلغة القرآن الكريم، مقتطفة آيات تحمل في طياتها رسائل سياسية معقدة، كانت مصر في صميمها.
مصر.. والآية التي كانت رسالة
وسط زحام الوفود العربية والدولية، كان لافتاً ما تداولته الأوساط الدبلوماسية بشأن الآية التي خصصت للوفد المصري. فقد اختيرت الآية 128 من سورة التوبة:
“لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ”
لم تكن الآية مجرد عزاء، بل كانت بيان نوايا. فالاختيار حمل عدة أبعاد:
– البعد الأول: التذكير بالقربى. إيران تريد أن تقول لمصر: نحن لسنا بعيدين عنكم، ولدينا قواسم مشتركة كثيرة، فلنفتح صفحة جديدة.
– البعد الثاني: الرسول من أنفسكم. إشارة إلى أن طهران تنظر إلى مصر كدولة “قريبة” يمكن البناء عليها، في مقابل دول أخرى تراها إيران “أبعد” أو أقل تفاهماً.
– البعد الثالث: الحرص على المؤمنين. رسالة ضمنية مفادها: لدينا هموم مشتركة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والتصدي للعدوان الإسرائيلي.
باقي الوفود.. ولغة الآيات المتنوعة
لم تختلف الرسائل الموجهة لباقي الوفود في عمقها الدلالي:
· السعودية: آية “فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا” (آل عمران: 13). تذكير بـ”معركة الحق ضد الباطل”، وكأن إيران تقول للرياض: أنتم معنا أو ضدنا، والوقوف على الحياد ليس خياراً.
· تركيا: آية “فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ” (النساء: 95). رسالة واضحة: من يقاتل في الميدان ليس كمن يتفرج.
· حماس: آية “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا” (الأحزاب: 23). تكريم وتحفيز للاستمرار في طريق المواجهة.
· حزب الله: آية “حِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ” (المائدة: 56). وعد بالنصر لمن يظل في المعسكر الإيراني.
· قطر: آية “لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ” (الفتح: 2). مداعبة سياسية لطيفة، تذكير بمواقف الدوحة السابقة ودعوة لتجاوزها.
ماذا أرادت طهران أن تقول للعالم؟
قراءة متأنية للمشهد تكشف أن إيران كانت ترسل أربع رسائل رئيسية في آن واحد:
الرسالة الأولى: نحن باقون. رحيل خامنئي لا يعني وهناً في النظام، وأن الجمهورية الإسلامية ماضية في طريقها.
الرسالة الثانية: معاً أم وحدنا؟ تحاول طهران إعادة بناء تحالفاتها الإقليمية، وتقدم نفسها كبديل للولايات المتحدة في المنطقة.
الرسالة الثالثة: للعدو. التهديدات الإسرائيلية والأميركية لن ترهبنا، بل سنرد بكل قوة إذا تعرضنا لأي اعتداء.
الرسالة الرابعة: لمصر تحديداً. نحن نرى فيكم عنصراً محورياً، ونرغب في تقارب حقيقي، ولكن وفق رؤيتنا نحن للأمور.
قراءة نقدية
المثير للانتباه أن طهران استخدمت القرآن الذي يجمع المسلمين كأداة للتمييز في الخطاب، فلكل وفد آية مختلفة عن الآخر. هل كان ذلك نجاحاً دبلوماسياً أم رسالة انقسام؟ هنا يبرز السؤال الأهم: هل أرادت إيران حقاً توحيد الصفوف، أم أنها كانت ترسم حدوداً جديدة لمن معها ومن ضدها، باستخدام النص الديني نفسه؟
مصر في الميزان
مصر التي تحضر بوفد رفيع في عزاء خامنئي، تجد نفسها اليوم أمام اختبار دقيق. الورقة الإيرانية معروضة على الطاولة، لكن القاهرة تعرف جيداً أن أي تقارب مع طهران يجب أن يكون محسوباً بدقة، في ظل علاقاتها المتوازنة مع الغرب ودول الخليج، ومواقفها الثابتة من القضايا العربية.
هل ستقرأ مصر الآية كما أرادتها طهران (دعوة للتقارب)، أم ستقرأها برؤيتها الخاصة (
مجاملة دبلوماسية لا أكثر)؟ الأيام كفيلة بالإجابة.



