عربي وعالمي

فرنسا تفتح ملف أخطر جريمة ضد الإنسانية خارج الحدود

كتب / محمد مختار

في تطور يعكس تحولا حذرا في مقاربة باريس لملفات الذاكرة الاستعمارية كشفت صحيفة لوموند أن فرنسا باتت تتجه نحو فتح واحد من أكثر الملفات التاريخية حساسية المرتبط بتبعات تجارة الرقيق عبر الأطلسي وهي الجريمة التي تصفها الأمم المتحدة بأنها أخطر جريمة ضد الإنسانية وبحسب المصدر ذاته تستعد باريس للدخول في حوار حول العدالة التعويضية مع شركاء أفارقة في مقدمتهم غانا في مؤشر على مراجعة تدريجية لمقاربتها التقليدية تجاه إرثها الاستعماري الذي ظل لسنوات ملفاً مؤجلاً داخل الأجندة الدبلوماسية الفرنسية.
ويأتي هذا التطور عقب مباحثات رفيعة المستوى جرت في قصر الإليزيه جمعت بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الغاني جون دراماني ماهاما حيث كشفت وزارة الخارجية الغانية عن تقارب في وجهات النظر بشأن قضايا العدالة التاريخية بما يشمل إعادة الممتلكات الثقافية ودعم الأبحاث ومعالجة تداعيات العنصرية البنيوية.
في المقابل التزمت الرئاسة الفرنسية خطابا أكثر تحفظا مؤكدة أن النقاش لا يزال في مرحلته التشاورية دون إعلان رسمي عن التزامات محددة وهو ما يعكس حساسية الملف داخل دوائر القرار في باريس خاصة في ظل تعقيداته القانونية والسياسية.
ويأتي هذا التحول أيضا في سياق موقف فرنسي أوروبي سابق حيث امتنعت باريس إلى جانب عدد من الدول الأوروبية عن التصويت على قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 مارس وصف تجارة الرقيق بأنها أخطر جريمة ضد الإنسانية ودعا إلى فتح نقاش دولي حول التعويضات وبررت فرنسا موقفها آنذاك برفض إقامة تراتبية بين الجرائم ضد الإنسانية في حين تشير معطيات دبلوماسية إلى أن القرار كان جزءاً من تنسيق أوروبي أوسع
وبحسب مصادر قريبة من الإليزيه فإن باريس لا تستبعد اليوم الانخراط في تعاون أعمق مع غانا في ملفات الذاكرة ضمن نهج جديد اعتمدته خلال السنوات الأخيرة يقوم على الاعتراف التدريجي ببعض الجرائم الاستعمارية وتوسيع برامج البحث التاريخي وإعادة تقييم العلاقة مع الماضي ويؤكد مقربون من دوائر القرار أن الرئيس ماكرون لا يضع محظورات في ما يتعلق بمراجعة التاريخ غير أنه يفضل مقاربة متدرجة تقوم على البحث العلمي والاعتراف الرمزي قبل الانتقال إلى أي نقاش محتمل حول التعويضات المادية ويكتسب هذا الملف حساسية خاصة في السياق الفرنسي إذ كانت باريس قد اعترفت منذ سنة 2001 عبر قانون توبيرا بأن تجارة الرقيق والعبودية تشكلان جريمة ضد الإنسانية غير أن الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التعويض الفعلي لا يزال يثير جدلا واسعا داخل فرنسا وضمن الاتحاد الأوروبي وتشير نقاشات أكاديمية ودبلوماسية إلى أن مفهوم التعويضات لم يعد يقتصر على التعويض المالي المباشر بل يشمل أشكالا متعددة، من قبيل دعم المشاريع التنموية وتمويل الأبحاث وإطلاق برامج لمكافحة العنصرية في استلهام لتجارب دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا وإسبانياويأتي هذا الحراك في ظل زخم دبلوماسي متصاعد مع اقتراب محطات دولية مهمة من بينها قمة إفريقيا-فرنسا المرتقبة في نيروبي وفعاليات الذكرى الخامسة والعشرين لقانون توبيرا إضافة إلى قمة دولية حول التعويضات يُرتقب تنظيمها في أكرا
ويرى مراقبون أن هذه الاستحقاقات قد تشكل اختبارا حقيقيا لمدى استعداد باريس للانتقال من خطاب الاعتراف إلى سياسات أكثر جرأة في معالجة إرثها التاريخي في ظل تصاعد الضغوط الإفريقية والدولية لإعادة فتح ملف العدالة التاريخية على نطاق أوسع داخل النظام الدولي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock