
في زمنٍ صار فيه الضوءُ أسرعَ من الحقيقة، وارتفعت فيه الصورُ على حساب الجوهر، خرج علينا نمطٌ جديد من الحضور: وجوهٌ تُجيد الوقوف أمام العدسة، وتُحسن اختيار الزاوية، لكنها تُخطئ الطريق إلى الفعل. لا تُرهق نفسها بعرقِ العمل، ولا تُثقِلها مسؤوليةُ الإنجاز، ومع ذلك تُطالب بنصيبٍ كاملٍ من التصفيق، كأنّ الصورةَ صارت شهادةً، والظهورَ صار كفاءة.
هؤلاء لا يأتون متأخرين إلى المشهد؛ بل يسبقون نتائجه. يحضرون لحظةَ اللقطة، ويتوارون عند لحظة الجهد. يضعون أقدامهم حيث تنتهي الطريق، لا حيث تبدأ، ويكتبون أسماءهم على صفحاتٍ لم يكتبوا سطورها. يملكون براعةً لافتة في ارتداء “هيئة الفاعل”، دون أن يحملوا ثِقل الفعل نفسه. كأنهم يتقنون فنَّ الاستعارة: يستعيرون وهج الآخرين، ويقدّمونه بوصفه نورًا ذاتيًّا.
في الإدارات، في الفعاليات، في ساحات العمل العام، تجدهم في الصفوف الأولى إذا حضرت الكاميرا، وفي آخر الصفوف إذا حضرت المسؤولية. يلوّحون بالشعارات، ويُجيدون لغة العموميات، ويختبئون خلف مفرداتٍ كبيرة لا تُلزمهم بشيء. وإذا سُئلوا عن الأثر، قدّموا ألبوم صورٍ بدل الإجابة، وكأن التاريخ يُكتب باللقطات لا بالنتائج.
ليست المشكلة في الصورة؛ فالصورة ذاكرةٌ مشروعة، وشاهدٌ على ما كان. المشكلة حين تُصبح الصورة بديلاً عن العمل، وحين يتحوّل “التوثيق” إلى “تزييف”، و“التمثيل” إلى “حقيقةٍ مُدّعاة”. عندها تختلط المقاييس، ويضيع حقُّ المجتهد بين ضجيج المصفقين، ويصير الصادقُ غريبًا في سوقٍ يبيع فيه البعضُ ما لم يملكوا.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تسرق الجهد فقط، بل تُعيد تعريف النجاح على نحوٍ مضلّل. تُغري الشباب بأن الطريق إلى الاعتراف يمرّ عبر “الحضور المصوَّر” لا “العمل المُثمر”، وتُشيع أن الواجهة تكفي، وأن البريق يغني عن البناء. وهنا تبدأ الخسارة الحقيقية: حين يتعلّم الجيل أن يلمع بدل أن يعمل، وأن يظهر بدل أن يُنجز.
غير أنّ الواقع، مهما طال عليه الضباب، لا يخدعُه اللمعان. فالأثرُ وحده ما يبقى، والنتيجةُ وحدها ما تُقاس، والتاريخُ لا يحتفظ إلا بما صمد. سيأتي يومٌ تُمحّص فيه الصور، وتُقارن بالوقائع، فيُعرف من كان جسدًا في المشهد، ومن كان روحًا تُحرّكه. عندها يعود الحقُّ إلى نصابه، ويُردّ الاعتبار لمن حملوا العبء بصمت، وتركوا للكاميرا أن تأتي متأخرةً، لا متقدّمة.
المجتمع الذي يريد أن ينهض لا يكفيه أن يُصفّق، بل عليه أن يُميّز. أن يُنصف أصحاب العمل، ويكفّ عن صناعة نجوميةٍ بلا أساس. فالثقةُ العامة تُبنى على الصدق، والصدقُ لا يقبل القسمة بين صورةٍ وفعل.
وفي الختام… ليس عيبًا أن تظهر، العيب أن تُقيم مجدك على ظهور الآخرين. ليس خطأ أن تُوثّق، الخطأ أن تُزيّف. وبين “أن تكون” و“أن تبدو” مسافةٌ لا تُختصر إلا بالعمل؛ فمن عبرها استحقّ، ومن وقف عند حافتها… ظلّ ظلًّا، مهما كثرت حوله الأضواء.



