مقالات وآراء

قانون امتياز العربان.. صفحات من تاريخ الوفاء بين الدولة المصرية وقبائلها العربية

بقلم: طارق فتحي السعدني

لم يكن صدور قانون امتياز العربان عام 1906م حدثا عابرا في التاريخ المصري ولم يكن امتيازا منح دون أسباب أو مبررات،

بل جاء تتويجا لمسيرة طويلة من التعاون بين الدولة المصرية وقبائل العربان التي ساهمت بأدوار عسكرية وأمنية واجتماعية كان لها أثر واضح في ترسيخ الأمن وحماية حدود الوطن.

 

ففي عهد محمدعلى أدركت الدولة أهمية القبائل العربية المنتشرة في الصحارى والحدود.

 

وكانت هذه القبائل تعتمد في حياتها على الترحال بحثا عن المراعي ومصادر المياه،

 

الأمر الذي جعلها تتردد في الاستجابة لدعوات الاستقرار والتوطين.

و لتشجيعها على الاندماج في مشروع بناء الدولة الحديثة قدمت لها مجموعة من الامتيازات التي راعت طبيعتها القبلية ونمط حياتها.

 

فأُعفي حينها أبناء القبائل من السخرة ومن الخدمة العسكرية النظامية ومن بعض الإجراءات الصحية والإدارية التي لم تكن تتناسب مع ظروفهم،

 

كما وجهت التعليمات بألا يتعرض لهم رجال الحكومة بالإهانة أو الاعتداء ومنحتهم الدولة مساحات من الأراضي ليستقروا عليها ويعمروها.

 

وفي المقابل لم تكن تلك الامتيازات بلا التزام بل حمل العربان مسؤوليات وطنية جسيمة، كان من أبرزها تجهيز الفرسان عند الحاجة ودعم الجيش المصري في أوقات الحرب بالرجال والخيول والسلاح والمؤن،

 

إلى جانب تأمين الدروب الصحراوية وحراسة الممرات الجبلية وحفظ الأمن في المناطق النائية دون مقابل مباشر.

 

وقد سجل التاريخ مشاركة فرسان القبائل العربية في الحملات العسكرية المصرية ومنها حملات السودان وبلاد الشام،

 

كما كان لهم دور بارز في حماية الطرق والحدود،

 

وهو ما جعل الدولة تنظر إليهم باعتبارهم قوة وطنية مساندة تستحق تنظيم أوضاعها بما يحقق المصلحة العامة.

 

وفي هذا السياق، صدر المرسوم الخاص بالنظام الإداري لقبائل العربان في أواخر عام 1905، ودخل حيز التنفيذ عام 1906، في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني ليضع إطارا قانونيا ينظم شؤون القبائل إداريا وقضائيا،

 

ويحدد مراكزها العمومية وينشئ لجانا للفصل في منازعاتها وفقا للقانون والأعراف القبلية مع استمرار إعفاء أفرادها من التجنيد الإلزامي مقابل النظام المعمول به آنذاك ومنحهم مزايا تتعلق بالأراضي وفقا لأحكام القانون.

 

واستمرت أحكام هذا النظام معمولا بها حتى نهاية عهد الأسرة العلوية وظل القانون شاهدا على مرحلة تاريخية اعترفت فيها الدولة بالدور الوطني الذي أدته القبائل العربية في حماية الوطن وخدمة المجتمع،

 

فجاء التشريع تعبيرا عن علاقة قائمة على الحقوق والواجبات والتعاون المتبادل بين الدولة وأبنائها.

 

إن قراءة هذا القانون في سياقه التاريخي تؤكد أن الامتيازات التي تضمنها لم تكن تمييزا قائما على الانتماء القبلي،

 

وإنما كانت انعكاسا لظروف تلك المرحلة وتقديرا لأدوار عسكرية وأمنية وإدارية أدتها القبائل العربية في خدمة الدولة المصرية، بما يتوافق مع طبيعة المجتمع آنذاك ومتطلبات بناء الدولة الحديثة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock