صحف وتقارير

كيف تحكم الممرات المائية موازين القوة العالمية؟

كتبت /منى منصور السيد

 

تظل الجغرافيا هي الثابت الوحيد في معادلات القوة المتغيرة، ولم تكن تضاريس الأرض يوماً مجرد خلفية صامتة للأحداث، بل هي المحرك الفعلي لصعود الأمم وسقوط الإمبراطوريات. وإذا كان القرن التاسع عشر قد استند إلى رؤى “كارل كلاوزفيتز” الذي أسس لفلسفة القوة البرية في كتابه “عن فن الحرب”، فإن التحول الاستراتيجي الأكبر برز حين نقل الضابط البحري الأمريكي “ألفريد ماهان” مركز ثقل القوة إلى البحار، مؤصلاً لقاعدة ذهبية ما زالت تحكم العالم حتى اليوم: “من يملك البحار يسيطر على العالم”.

إن ما نشهده اليوم من اضطرابات جيوسياسية في الممرات المائية يثبت أن نظرية “ماهان” ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي واقع حي يتجسد في “نقاط الخنق” الاستراتيجية التي تتحكم في نبض الكوكب. وتبرز أزمة مضيق هرمز كنموذج صارخ لهذا الارتهان؛ فعندما يضطرب ممر يعبر من خلاله خمس طاقة العالم، لا تتوقف الأزمة عند حدود السياسة، بل تمتد لتضرب عمق الاقتصاد العالمي وتسبب هزات عنيفة في أسواق المال والطاقة. إن تعقيد الموقف في هرمز، بوجود آلاف السفن العالقة وعمليات تطهير الألغام التي قد تستغرق أشهراً، يكشف عن مدى هشاشة النظام الدولي أمام أي تهديد يمس أمن الممرات المائية، مما يدفع القوى الكبرى وحلف الناتو للبحث عن صيغ تأمين جماعية تتجاوز الصراعات التقليدية.

وفي قلب هذا المشهد الجيوسياسي المعقد، تبرز القنوات الصناعية كأهم الأدوات السيادية للدول، وعلى رأسها قناة السويس التي تمثل معجزة هندسية وإرادة وطنية مصرية. وهنا يظهر الفارق الجوهري في القانون الدولي؛ فبينما تخضع المضايق الطبيعية لقواعد الملاحة الدولية المشتركة، تظل القنوات الصناعية جزءاً لا يتجزأ من سيادة الدولة المطلقة على أراضيها. إن ازدواج قناة السويس وتطويرها المستمر لم يكن مجرد استجابة لنمو حركة التجارة، بل كان إعادة هندسة للزمن الاقتصادي العالمي، حيث وفرت القناة نحو خمسة عشر يوماً من الإبحار مقارنة بطريق رأس الرجاء الصالح، مما جعلها الصمام الفعلي لأمان سلاسل الإمداد بين الشرق والغرب.

إن القلق المتزايد حول مستقبل مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا، وباب المندب وجبل طارق، يعكس إدراكاً دولياً بأن أمن الملاحة هو مفتاح الاستقرار العالمي. فالعالم اليوم لا يتحمل كلفة فرض رسوم إضافية أو استخدام الممرات المائية كأوراق ضغط في النزاعات الثنائية، لأن كلفة ذلك ستدفعها الشعوب في صورة تضخم وغلاء معيشة. لذا، فإن الضرورة تحتم صياغة رؤية استراتيجية شاملة تضمن حرية الإبحار وتضع أنظمة إدارة وإنقاذ متطورة تحمي هذه الشرايين من تقلبات السياسة. إن استقرار العالم في القرن الحادي والعشرين بات مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بقدرتنا على حماية ممراتنا المائية، وتأكيداً على أن من يملك مفاتيح هذه الممرات، يمسك بالفعل بزمام المستقبل العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock