
تكمن البراعة السياسية أحياناً في القدرة على تحويل “الخوف” من شعور إنساني طبيعي إلى أداة لإدارة المشهد العام. فإذا كان عالم “ما وراء العالم” يعتمد على الشياطين والعفاريت لإثارة الرعب، فإن عالم السياسة يستخدم “الأشباح” الأيديولوجية والخصوم الخفيين لتحقيق الأهداف ذاتها.
في قصص الرعب الكلاسيكية، يمثل الشيطان الإغواء والانهيار الأخلاقي، بينما يمثل العفريت الفوضى والمجهول الذي يتربص بنا في الظلام. لكن في أروقة السياسة العالمية، لا تخرج هذه الكائنات من تحت الأرض، بل تُصنع في مختبرات “الدعاية” (Propaganda) لترويع الشعوب وضمان ولائها.
1. صناعة “البعبع” السياسي
تعتمد الأنظمة السياسية أحياناً على استحضار “شيطان” خارجي أو داخلي؛ عدوٍّ لا ينام، يتربص بالدولة خلف الحدود أو في الغرف المظلمة. هذا العدو يؤدي وظيفة “العفريت” في قصص الرعب؛ فهو كائن لا نراه بوضوح، لكن الخوف منه يجعل الناس يقبلون بإجراءات استثنائية وتنازلات حقوقية لم يكونوا ليقبلوها في ظروف طبيعية.
2. “تلبّس” المؤسسات
في روايات الرعب، يسكن الشيطان جسداً بريئاً ليتحكم فيه. سياسياً، يمكن وصف البيروقراطية المتوحشة أو الفساد المستتر بأنه “المس الشيطاني” للمؤسسات. عندما تصبح المؤسسة التي وُجدت لخدمة المواطن أداة لعرقلة حياته أو ترهيبه، نكون أمام “قصة رعب” واقعية، حيث يختفي المنطق ويحل محله العبث السياسي.
3. سيكولوجية الحشود والمجهول
الرعب الحقيقي في السياسة ليس فيما يحدث فعلاً، بل فيما “قد يحدث”. السياسيون البارعون يستخدمون تقنية “التشويق” (Suspense) التي يستخدمها كتاب الرعب؛ حيث يتم إيهام الجماهير بأن كارثة اقتصادية أو مؤامرة كبرى على وشك الوقوع. هذا القلق الدائم يحول المجتمع إلى كتلة مرعوبة تبحث عن “مخلص” أو “صائد أشباح” سياسي.
الخاتمة: الاستيقاظ من الكابوس
إن الفرق الجوهري بين قصة الرعب السينمائية والواقع السياسي هو أن المشاهد يغادر السينما وينتهي الخوف، أما في السياسة، فإن “العفاريت” تظل تطارد الوعي الجمعي طالما استمر الاعتماد على سيكولوجية التخويف بدلاً من منطق الإقناع.
إن تحرير العقل السياسي يبدأ من إدراك أن معظم “الشياطين” التي نخشاها ليست إلا ظلالاً تُسقطها القوى المصالحية على جدران وعينا، لتمنعنا من رؤية الضوء الحقيقي.



