عربي وعالمي

مصر والتحركات الكبرى حين تتحول الجغرافيا إلى معركة وجود

أيمن بحر

فى عالم لا تحكمه الصدف وحدها تبدو كثير من الأحداث المتفرقة وكأنها خيوط فى مشهد واحد تتكشف ملامحه بهدوء بينما تدور حوله صراعات مفتوحة وصدامات لا تتوقف

القراءة المتأنية لما يجري فى الإقليم تكشف أن ما يبدو أزمات منفصلة قد يكون فى جوهره جزءا من ترتيبات أوسع تتجاوز حدود النزاعات التقليدية لتلامس خرائط النفوذ والمياه والطاقة ومستقبل المنطقة بأكملها

ملف إثيوبيا لم يكن يوما مجرد خلاف حول سد أو نزاع على حصص المياه بل ظل محل قراءة استراتيجية باعتباره جزءا من معادلات ضغط معقدة تستهدف إعادة تشكيل التوازنات فى الشرق الأوسط وإفريقيا وسط محاولات مستمرة لدفع المنطقة إلى سيناريوهات استنزاف وصدام

وفى المقابل اختارت مصر مسارا مختلفا يقوم على إدارة التهديدات بالعقل لا بالاندفاع وعلى تحييد الفخاخ التى قد تجر المنطقة إلى مواجهات كبرى تخدم أطرافا أخرى أكثر مما تخدم شعوبها

ما جرى فى ملفات إقليمية متعددة من إحباط مخططات تهدد استقرار دول عربية وإفريقية يعكس أن القاهرة تتحرك وفق رؤية أوسع من ردود الفعل وأن الأمن القومى المصرى لا ينفصل عن أمن محيطه العربى والإفريقى

ومن هنا يبرز الحديث عن المشروع الاستراتيجى الضخم لربط نهر الكونغو بالنيل باعتباره أحد أخطر التحولات الجيوسياسية المنتظرة فى المنطقة وهو مشروع إن تحقق فلن يكون مجرد إنجاز هندسي بل إعادة رسم لمعادلات المياه والتنمية والنفوذ فى القارة السمراء

هذا المشروع الذى تدور حوله مناقشات كبرى وشراكات دولية محتملة يمثل رؤية تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل وهو ما يفسر حجم الصراع الخفي والمعلن حوله ومحاولات التعطيل التى تتخذ أشكالا متعددة من التوترات السياسية إلى إشعال الحروب بالوكالة

فى هذا السياق تبدو التحركات المصرية ليست مجرد رد على استفزازات أو تحديات آنية بل جزءا من صراع أكبر عنوانه من يمتلك مفاتيح الغد

الرسالة الأوضح أن مصر لا تتحرك بمنطق المعارك المؤقتة بل بمنطق الدولة التي تدرك أين تضع أقدامها وكيف تدير الوقت لمصلحتها وتعرف أن بعض المعارك لا تكسب بالسلاح فقط بل بالصبر والرؤية وبناء التحالفات

ما يجرى اليوم قد يبدو للبعض مشاهد متفرقة لكن قراءة الصورة الكاملة تكشف أن المنطقة أمام لحظة إعادة تشكيل كبرى وأن من يملك قراءة الخرائط الجديدة مبكرا سيكون الأقدر على صناعة المستقبل

هكذا تتحول السياسة إلى معركة وعى وتتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع وتتحول مصر فى قلب هذا المشهد إلى لاعب يدير التوازنات لا مجرد طرف يتلقى الضغوط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock