
في واحدة من أكثر المفاوضات تعقيدًا في الشرق الأوسط، يتجلى مشهد متناقض بين نهجين متنافرين: الأول، أمريكي يغرق في مهاترات إعلامية وتهديدات متقلبة؛ والثاني، إيراني يراهن على الصبر الاستراتيجي والدبلوماسية الاحترافية. المفارقة أن إيران، التي خرجت من حرب ضارية منهكة عسكريًا، تبدو اليوم الأكثر انتصارًا على طاولة المفاوضات.
واشنطن بين فخّ إسرائيل ومهاترات ترامب
منذ البداية، اختارت الإدارة الأمريكية أسلوبًا غريبًا في التعامل مع الملف التفاوضي، تاركة قنوات الدبلوماسية التقليدية إلى وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا. ترامب وإدارته يطلقون التصريحات المتضاربة، ويمارسون التحايل اللفظي، ويضخون معلومات مغلوطة لإخفاء ما يجري خلف الكواليس من تراجعات ومناورات.
لكن الأكثر إثارة هو الدور الإسرائيلي في هذه المسرحية. فإسرائيل، التي تحاول التهرب من التزاماتها بموجب مذكرة التفاهم، تضع واشنطن في موقف محرج، حيث تضغط على الإدارة الأمريكية للتملص من بعض البنود التي وقعت عليها، وكأنها تريد جر الأمريكيين إلى مستنقع لا مخرج منه.
الاحترافية الإيرانية.. إشراك المجتمع الدولي
في الطرف الآخر، تعاملت إيران مع الملف التفاوضي باحترافية لافتة. لم تكتفِ بطاولة المفاوضات الثنائية، بل حرصت على إشراك القوى الدولية المؤثرة والأمم المتحدة، وإطلاعها على كل جزئية في المفاوضات، مستندة إلى القانون الدولي. هذه الخطوة الذكية كانت ورقة ضمان حقيقية، جعلت أي خرق أمريكي أو إسرائيلي لبنود الاتفاق مكشوفًا أمام المجتمع الدولي بأكمله.
من ساحة المعركة إلى طاولة المفاوضات.. انتصار مختلف
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن إيران التي تلقت ضربات عسكرية قاسية، وفقدت قادة كبارًا من الصف الأول والثاني والثالث، خرجت من المفاوضات بوجه مختلف. لأكثر من عقدين كانت طهران تبحث عن فك القيود عن ثرواتها، واليوم تحقق ذلك عبر:
· حرية التبادل التجاري مع دول العالم
· رفع الحظر الاقتصادي رسميًا
· الاستفادة الكاملة من الموارد الطبيعية دون عوائق
وكأن الحرب كانت ثمنًا مؤقتًا، والدبلوماسية كانت المكسب الدائم.
مضيق هرمز.. تحول استراتيجي في المعادلة
قبل الحرب، كان مضيق هرمز ممرًا مفتوحًا، لكن إغلاقه خلال الأزمة غيّر المعادلة تمامًا. إيران لم تعد مجرد طرف في المعادلة، بل أصبحت حارسة للمضيق، محققة مكاسب استراتيجية تتمثل في:
· السيطرة الفعلية على حركة الملاحة
· فرض رسوم تحت مسمى الخدمات
· تعزيز النفوذ الإقليمي بما يخدم ورقة التفاوض
صندوق الاستثمار الخليجي.. تعويضات غير مباشرة
وفي تطور لافت، تضمنت بنود الاتفاق تعويضات تحت غطاء “صندوق استثمار” تتحمله دول الخليج، في خطوة تعكس إعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات المالية في المنطقة، وتُقرّ ضمنيًا بتكاليف المرحلة القادمة.
إسرائيل تحت الضغط.. وقف الحرب شرط أساسي
المفاجأة الأكبر جاءت في البند الذي يُلزم إسرائيل بوقف الحرب في كل من لبنان وغزة، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل شامل وعادل لهذه القضايا. أي خروج عن هذا البند يُعتبر إخلالًا كاملًا بالاتفاق، مما يضع الكيان الإسرائيلي أمام اختبار حقيقي لالتزاماته الدولية.
خلاصة الحكاية
ما حدث في مفاوضات مذكرة التفاهم ليس مجرد اتفاق سياسي عابر، بل هو تحول استراتيجي في موازين القوى الإقليمية. إيران، التي دخلت المعركة منهكة عسكريًا، خرجت منها منتصرة دبلوماسيًا، مستفيدة من خبرة عقدين من المفاوضات، ومحولة أوراق القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية ملموسة.
أما واشنطن، فما زالت تغرق في مهاتراتها الإعلامية، تحاول إخفاء فشلها في إدارة الملف، بينما تقف إسرائيل في الخلف، تحاول التهرب من التزاماتها دون أن تجد مفرًا من بنود الاتفاق التي تراقبها الأمم المتحدة والقوى الدولية.
في النهاية، ثبت أن الدبلوماسية الحذقة أقوى من الطائرات، وأن الصبر الاستراتيجي ينتصر على العنجهية الإعلامية. إيران اليوم ليست فقط ع
لى طاولة المفاوضات، بل هي من تمسك بزمام المبادرة.



