مقالات وآراء

لماذا حولت القبلة ؟

بقلم د- كامل عبد القوي النحاس

سلسلة التراث الإسلامي بين النقد والنقض

ملف

الناسخ والمنسوخ في القرآن… بين الشبهة والحقيقة

 

في المقالين السابقين رأينا كيف كشف النسخ عن حكمة التشريع القرآني، وكيف ظهر التدرج في تحريم الخمر نموذجاً فريداً لفهم النفس الإنسانية وصناعة التحول الاجتماعي.

 

واليوم نقف أمام نموذج آخر من نماذج النسخ، لكنه يختلف عن قصة الخمر في طبيعته ومقصده؛ إذ لم يتعلق بعادة اجتماعية متجذرة، ولا بمصلحة مادية أو شهوة بشرية، وإنما تعلق بأمر تعبدي محض، تتجلى فيه حقيقة العبودية في أنقى صورها.

 

إنها قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.

 

وللوهلة الأولى قد يبدو الأمر مجرد انتقال من جهة إلى جهة، لكن التدبر يكشف أن القضية أعمق من ذلك بكثير.

 

فلم يكن الامتحان في الشمال أو الجنوب، ولا في الشرق أو الغرب، وإنما كان الامتحان في شيء واحد: هل يتبع المؤمن أمر الله حيثما توجه؟

 

لقد استقبل المسلمون بيت المقدس منذ فرضت الصلاة، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون على ذلك زمناً طويلاً امتثالاً لأمر الله.

 

وكان بيت المقدس قبلة الأنبياء ومهوى أفئدة المؤمنين، فلم يكن في التوجه إليه أدنى حرج أو اعتراض.

 

لكن قلب النبي صلى الله عليه وسلم كان معلقاً بالكعبة المشرفة، بيت الله العتيق الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، والبيت الذي جعله الله قياماً للناس وأول بيت وضع لهم في الأرض.

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلع إلى أن يؤمر بالتوجه إليها، لا اعتراضاً على القبلة الأولى، ولكن شوقاً إلى البيت الحرام ورغبة فيما يحبه الله ويرضاه.

 

وقد صور القرآن هذا المشهد تصويراً بالغ الرقة والجمال فقال سبحانه:

 

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

[البقرة: 144]

 

قال المفسرون: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر النظر إلى السماء انتظاراً لنزول الوحي في شأن القبلة، فأنزل الله ما يسر خاطره وأقر عينه.

 

وقد أطال الإمامان الطبري وابن كثير وغيرهما في بيان ما تضمنته الآية من تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وموافقته لما يحبه ويرجوه.

 

ثم جاء الأمر الإلهي الحاسم.

 

فلم تعد القبلة بيت المقدس، بل المسجد الحرام.

 

وهنا وقع واحد من أعظم مشاهد الامتثال في تاريخ الإسلام.

 

فقد روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، ثم وُجّه إلى الكعبة.

 

وروى البخاري ومسلم أيضاً عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن الناس كانوا يصلون صلاة الصبح بقباء،

 

فجاءهم آتٍ فقال:

 

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها.

 

قال: وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.

 

إنها رواية قصيرة في ألفاظها، لكنها عظيمة في دلالاتها.

 

كانوا في الصلاة.

 

والصلاة من أعظم العبادات.

 

ومع ذلك لم يقولوا: نُكمل الصلاة أولاً ثم نتحول.

 

ولم يقولوا: نتحقق من الخبر.

 

ولم يقولوا: لعل الأمر يحتاج إلى مراجعة.

 

بل استداروا في صلاتهم فور سماعهم الخبر.

 

فكانت الأقدام في مواضعها، لكن القلوب سبقت الأجساد إلى الطاعة.

 

وكأن الأمة كلها كانت تتعلم درساً عملياً خالداً:

أن المؤمن لا يقف حيث اعتاد، بل حيث يأمره الله أن يقف.

 

ومن هنا اشتهر المسجد الذي وقع فيه هذا التحول التاريخي باسم “مسجد القبلتين”، وبقي شاهداً على واحد من أعظم مشاهد الامتثال الفوري لأمر الله في تاريخ هذه الأمة.

 

ولم يكن الأمر مجرد تغيير اتجاه في الصلاة، بل كان إعلاناً عن ميلاد مرحلة جديدة من الاستقلال العقدي والروحي للأمة الإسلامية.

 

غير أن هذا التحول لم يمر دون اعتراضات.

 

فاليهود وجدوا فيه مادة للطعن والتشكيك.

 

ووجد المنافقون فيه فرصة جديدة لإثارة البلبلة والجدل.

 

وقال السفهاء: ما الذي صرف المسلمين عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

 

وقد سجل القرآن هذه الاعتراضات قبل أن تقع فقال سبحانه:

 

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142].

 

وهنا يكشف القرآن جوهر القضية كلها.

 

فالمشرق لله.

 

والمغرب لله.

 

والكعبة لله.

 

وبيت المقدس لله.

 

فإذا كانت الجهات كلها ملكاً لله، فأين تكمن قيمة القبلة؟

 

إن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في كونها أمراً من الله.

 

فالعبرة ليست بالجهة، وإنما بالطاعة.

 

وليست بالمكان، وإنما بالامتثال.

 

ولو أمر الله عباده أن يتجهوا إلى أي جهة أخرى لكانت الطاعة في امتثال أمره، لا في خصوص تلك الجهة.

 

ولهذا لم يناقش القرآن القضية بوصفها مسألة جغرافية، وإنما بوصفها قضية إيمانية تربوية عميقة.

ولهذا جاءت الآية الجامعة التي كشفت الحكمة الكبرى من هذا الحدث كله، فقال سبحانه:

﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: 143]

 

وهنا قد يتساءل بعض الناس: كيف يقول الله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ والله يعلم كل شيء قبل وقوعه؟

 

وقد أجاب المفسرون عن ذلك بوضوح. فالله سبحانه عالم بالأشياء قبل وجودها وبعد وجودها، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. لكن المراد هنا علم الظهور والوقوع، أي ليظهر ما علمه الله أزلاً إلى عالم الواقع، وليتميز المؤمن الصادق من المتردد، والمطيع من المعترض.

 

قال الإمام الطبري رحمه الله: المعنى ليُرى ويُعلم من يتبع الرسول ممن يرتد على عقبيه.

وقال ابن كثير رحمه الله: أي ليظهر ذلك للناس وقوعاً بعد أن كان معلوماً لله سبحانه قبل وقوعه.

 

فالامتحانات الإلهية لا تُجرى ليعلم الله ما يجهله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإنما لتنكشف الحقائق للناس، ولأصحابها أنفسهم.

 

فكم من إنسان يظن نفسه ثابتاً على الطاعة ما دامت الأمور موافقة لما يحب، فإذا جاءه التكليف على خلاف هواه ظهر ما كان خافياً في نفسه.

 

ولهذا قال تعالى:

﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾

[البقرة: 143]

 

أي أن التحول لم يكن صعباً في ذاته، وإنما كانت صعوبته على النفوس التي لم تكتمل فيها حقيقة التسليم.

 

ومن هنا ندرك أن تحويل القبلة لم يكن امتحاناً للوجوه، بل امتحاناً للقلوب.

فمن كان يعبد الله حقاً استدار فوراً حيث أمر الله.

 

ومن كان أسير العادات أو الجدل أو الأهواء وجد في الأمر فرصة للاعتراض والتشكيك.

 

وهذه سنة تتكرر في كل زمان.

 

فكثير من الناس يقبلون من الدين ما يوافق رغباتهم وتصوراتهم المسبقة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يأتي أمر الله مخالفاً لما ألفوه أو اعتادوه أو ظنوه.

 

عندها يظهر الفرق بين من يقول:

سمعنا وأطعنا.

ومن يقول:

سمعنا… ثم بدأ يبحث عن المبررات والاعتراضات.

ولعل هذا المعنى يفسر لنا كثيراً من الشعائر التعبدية التي قد يقف العقل عند ظاهرها دون أن يدرك جميع أسرارها.

 

فالمؤمن لا يعبد الحجر.

ولا يقدس الجهة لذاتها.

ولا يتعلق بالأشكال المجردة.

 

وإنما يطيع الله فيما أمر.

ولهذا كان في الكعبة ركنان ظاهران: الحجر الأسود والركن اليماني.

 

ومع ذلك شُرع استلام الركنين، وشُرع تقبيل الحجر الأسود خاصة دون الركن اليماني.

 

وليس السبب أن الحجر الأسود يملك نفعاً أو ضراً، أو أن له قدرة ذاتية تميزه عن غيره من الأحجار.

 

فالحجارة كلها مخلوقة لله، لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً.

وإنما السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّل الحجر الأسود.

 

ومن هنا نفهم الكلمة العظيمة التي قالها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقبل الحجر الأسود، كما في الصحيحين:

“إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك”.

إنها ليست مجرد عبارة تاريخية.

 

بل إعلان واضح عن فلسفة العبودية في الإسلام.

فالطاعة ليست مبنية دائماً على إدراك جميع الحكم والأسرار، وإنما على الثقة في حكمة الآمر سبحانه.

 

لقد كان عمر رضي الله عنه من أعقل الناس وأفقههم وأبعدهم نظراً، ومع ذلك لم يقل: ما الحكمة من التقبيل؟

ولم يقل: ما الفائدة العملية؟

بل جعل المعيار كله في الاتباع.

 

ولذلك فكما استدار الصحابة نحو الكعبة لأن الله أمرهم، قبّل عمر الحجر الأسود لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّله.

 

وفي الحالتين كانت الحقيقة واحدة:

عبادة الامتثال.

 

وهنا تتجلى الحكمة العميقة من تحويل القبلة.

فلم يكن المقصود مجرد الانتقال من بيت المقدس إلى الكعبة، فكلاهما موضع مبارك شريف.

 

وإنما كان المقصود صناعة أمة تتلقى أوامر ربها بالتسليم والانقياد.

 

أمة لا تجعل الدين تابعاً لأهوائها، بل تجعل أهواءها تابعة للدين.

 

أمة لا تسأل أولاً: هل يوافق هذا ما أريده؟

بل تسأل: هل هذا ما أمر الله به؟

 

ولهذا كان تحويل القبلة واحداً من أوضح النماذج التي تكشف الفرق بين التناقض والنسخ.

 

فلم يكن في الأمر إلغاء لحكم خاطئ أو تراجع عن قرار سابق.

 

بل كان انتقالاً من حكم مشروع إلى حكم مشروع، وفق حكمة إلهية ومقصد تربوي عظيم.

 

لقد كانت القبلة الأولى حقاً.

وكانت القبلة الثانية حقاً.

لكن الحق الأكبر كان في طاعة الله في الحالتين.

 

ومن هنا نفهم أن النسخ في هذه القضية لم يكن مجرد تحول في اتجاه الصلاة، بل كان درساً خالداً في معنى العبودية.

 

لقد تحولت القبلة في ذلك اليوم من بيت إلى بيت، لكن التحول الأكبر كان من طاعةٍ مشروطة بالفهم إلى طاعةٍ قائمة على التسليم، ومن الانشغال بالجهة إلى الانشغال بالآمر سبحانه.

 

وهنا تكمن الرسالة الخالدة لهذا الحدث.

فليست العبرة أين تقف.

وإنما العبرة لمن تقف.

وليست القضية إلى أين تتجه.

وإنما لمن تتجه.

 

وهكذا يتبين أن قضية القبلة لم تكن شمالاً أو جنوباً، ولا شرقاً أو غرباً، وإنما كانت سؤالاً واحداً يتردد صداه عبر الأجيال:

هل يتبع المؤمن أمر الله حيثما توجه؟

 

وفي هذا السؤال يكمن سر القصة كلها، وسر الامتحان كله، وسر العبودية كلها.

وفي المقال القادم ننتقل إلى نموذج آخر من نماذج النسخ والتشريع، لنرى كيف انتقل المجتمع المسلم من نظام التوارث بالمؤاخاة الذي فرضته ظروف التأسيس الأولى للدولة الإسلامية إلى نظام الميراث المستقر داخل الأسرة، وكيف يكشف ذلك عن حكمة التشريع في الانتقال من الأحكام المرحلية إلى البناء الدائم للمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock