صحف وتقارير

نهاية المعركة وبداية الحساب.. من حقق أهدافه في الحرب على إيران؟

بقلم احمد شتيه 

مع اقتراب التوقيع على اطار اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران تمهيدا لتوقيع اتفاق نهائي يظهر سؤال مهم بعد التوصل لاتفاق من الخاسر من هذه الحرب ؟

في الحروب الكبرى لا تُقاس النتائج بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المواقع التي دُمّرت فقط، بل بمدى تحقق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي دخلت الأطراف الحرب من أجلها. ومع انتهاء جولة المواجهة الأعنف بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن منتصر ومهزوم.

فكل طرف خرج معلناً تحقيق أهدافه، وكل عاصمة تحاول تسويق روايتها الداخلية والخارجية، لكن القراءة المتأنية تكشف أن الجميع حقق بعض المكاسب وخسر بعض الرهانات.

 

دخلت إسرائيل المواجهة بهدف رئيسي يتمثل في توجيه ضربة قاصمة للبرنامج النووي الإيراني وتقليص قدرات طهران العسكرية والإقليمية.

وخلال الحرب نجحت تل أبيب في تحقيق عدد من المكاسب المهمة: استهداف منشآت نووية وعسكرية حساسة، إلحاق أضرار بالبنية التحتية المرتبطة بالتخصيب، تصفية أو استهداف شخصيات عسكرية وعلمية مؤثرة،نقل المعركة إلى العمق الإيراني بصورة غير مسبوقة.

لكن رغم هذه الإنجازات، فإن إسرائيل لم تحقق الهدف الاستراتيجي الأهم وهو القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني أو إنهاء القدرة الإيرانية على إعادة بناء ما تم تدميره.

فالتجارب السابقة تؤكد أن المعرفة النووية لا يمكن تدميرها بالقصف، كما أن أي اتفاق سياسي جديد قد يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها مستقبلاً.

 

الولايات المتحدة: فرضت قواعد اللعبة الجديدة

بالنسبة لواشنطن، لم يكن الهدف الأساسي خوض حرب شاملة أو إسقاط النظام الإيراني، بل إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أضعف.

ويبدو أن الإدارة الأميركية نجحت إلى حد كبير في ذلك عبر: استعادة قوة الردع الأميركية في المنطقة، إضعاف جزء مهم من البنية العسكرية الإيرانية، دفع إيران للقبول بمناقشة قيود أكثر تشدداً على برنامجها النووي ، تعزيز أمن الملاحة الدولية في الخليج ومضيق هرمز ، كما أن واشنطن نجحت في تجنب التورط في حرب برية واسعة، وهو هدف كان يحظى بأولوية لدى صناع القرار الأميركي.

غير أن الولايات المتحدة لم تتمكن من تحقيق تغيير جذري في سلوك إيران الإقليمي، كما أنها لم تحصل حتى الآن على ضمانات نهائية تمنع عودة الأزمة مستقبلاً.

 

إيران: نجت من السيناريو الأسوأ

رغم حجم الضربات التي تعرضت لها، فإن القيادة الإيرانية ترى نفسها منتصرة لعدة أسباب.

فطهران دخلت الحرب وهي تواجه احتمالين كارثيين:إسقاط النظام، تدمير كامل البرنامج النووي.

لكن أياً من هذين الهدفين لم يتحقق.

بل استطاعت إيران: الحفاظ على بنية الدولة ومؤسساتها الرئيسية ، استمرار النظام السياسي دون انهيار، الاحتفاظ بجزء من قدراتها النووية والمعرفية، فرض نفسها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.

وتسعى القيادة الإيرانية إلى تسويق هذه النتائج باعتبارها “صموداً استراتيجياً” أمام أقوى تحالف عسكري في المنطقة.

لكن الثمن كان باهظاً؛ إذ تعرض الاقتصاد الإيراني لخسائر كبيرة، وتضررت منشآت استراتيجية، وتراجع جزء من النفوذ الإقليمي الذي بنت عليه طهران سياستها خلال العقدين الماضيين.

 

من الخاسر الأكبر؟

إذا كان كل طرف يملك ما يبرر إعلان النصر، فإن الخاسر الأكبر يبدو أنه المشروع الإقليمي الإيراني بصورته السابقة، فالحرب كشفت حدود القوة الإيرانية وأظهرت هشاشة بعض أدوات النفوذ التي اعتمدت عليها طهران لعقود.

كما أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتراكمة ستجبر إيران على إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية والخارجية، وربما تقليص بعض طموحاتها الإقليمية لصالح التركيز على حماية النظام واستقرار الدولة.

وفي المقابل، لم تنجح إسرائيل في القضاء النهائي على التهديد النووي، ولم تحقق الولايات المتحدة تحولاً استراتيجياً دائماً في سلوك إيران.

الرابح الحقيقي: الدبلوماسية القسرية

اللافت أن الرابح الأكبر ربما لم يكن أي طرف من أطراف الحرب بشكل منفرد، بل مفهوم “الدبلوماسية القسرية” ذاته.

فالضربات العسكرية دفعت الجميع إلى العودة للمفاوضات، بينما أدركت الأطراف الثلاثة أن استمرار الحرب المفتوحة يحمل مخاطر تفوق مكاسبها.

ومن هنا جاءت المفاوضات الجارية بشأن اتفاق نووي جديد يمتد لسنوات طويلة، في محاولة لتحويل المكاسب العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات سياسية أكثر استدامة.

 

أرى ان الحرب الأخيرة كشفت أن مفهوم “النصر المطلق” أصبح شبه مستحيل في صراعات الشرق الأوسط المعقدة.

فإسرائيل حققت نجاحات عسكرية مهمة لكنها لم تنه التهديد الإيراني، والولايات المتحدة عززت نفوذها التفاوضي لكنها لم تغيّر طبيعة النظام الإيراني، أما طهران فنجحت في البقاء لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً كبيراً.

لذلك يمكن القول إن جميع الأطراف خرجت وهي تحمل في يدٍ ورقة نصر، وفي اليد الأخرى فاتورة خسائر ثقيلة. أما الخاسر الأكبر فهو الاستقرار الإقليمي الذي تلقى ضربة جديدة، وشعوب المنطقة التي ستظل تدفع ثمن صراعات القوى الكبرى وطموحات النفوذ المتنافسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock