
لم يعد سرّاً أن الشرق الأوسط يمر بأخطر مراحل إعادة تشكيله الهيكلي، ولكن السر الذي بدأ يتكشف خلف الأبواب المغلقة في واشنطن وتل أبيب هو أن “المخطط المشترك” الذي اعتقد الكثيرون أنه يربط دونالد ترامب ببنيامين نتنياهو قد تحول إلى ساحة صراع إستراتيجي مكتوم.
بينما يرى نتنياهو في هذه المرحلة فرصة تاريخية لفرض “نصر عسكري مطلق” وتغيير خريطة النفوذ عبر القوة الصلبة، ينظر ترامب إلى المنطقة بعيون “رجل الصفقات” الذي يريد إنهاء الاستنزاف العسكري وبناء نظام إقليمي قائم على التجارة، والاتفاقيات الاقتصادية، وتقاسم الأعباء المليارية.
1. فلسفة “التاجر” ضد عقيدة “سبارتا”
الشرق الأوسط، بالنسبة لترامب، ليس ساحة لحروب أيديولوجية لا تنتهي، بل هو “محفظة استثمارية” يجب إدارتها بالحد الأدنى من الكلفة الأمريكية والحد الأقصى من العوائد الإستراتيجية. تتلخص رؤية ترامب (حسب الإستراتيجية الوطنية للدفاع) في المبادئ التالية:
تقاسم الأعباء المادية: لن تدفع واشنطن فواتير الحروب الطويلة؛ وعلى الحلفاء الإقليميين تحمل التكاليف.
إنهاء النزاعات بالاتفاقيات (Deals): يرى ترامب أن الاستقرار يكمن في توسيع “اتفاقيات أبراهام” لتشمل قوى وازنة مثل السعودية وقطر، وتحويل غزة والمنطقة إلى مناطق استثمارية لإعادة الإعمار.
الردع العسكري المشروط: استخدام القوة بغرض فرض التفاوض وليس بغرض إسقاط الأنظمة أو بناء الدول (Nation-Building).
في المقابل، يتحرك نتنياهو مدفوعاً بعقيدة “إسرائيل كدولة سبارتا الفائقة” (Super-Sparta) — وهي رؤية تعتمد على الأمن العسكري المطلق، والاعتماد على الذات عسكرياً، واستمرار العمليات الهجومية لإضعاف ما يسمى “محور المقاومة” (حماس، حزب الله، وإيران) بشكل دائم، دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية تخص الدولة الفلسطينية.
2. نقاط التماس الساخنة: أين يتقاطع المخطط وأين ينفجر؟
تشهد كواليس الإدارة الأمريكية وجلسات الكابينيت الإسرائيلي خلافات حادة حول ملفات إقليمية رئيسية:
أ. ملف غزة: “لجنة التكنوقراط” ضد “السيطرة الأمنية”
ضغطت إدارة ترامب بقوة لتنفيذ “خطة النقاط العشرين” ووضع ترتيبات “المرحلة الثانية” لغزة، والتي تشمل تعيين لجنة تكنوقراط فلسطينية برئاسة شخصيات مستقلة لإدارة القطاع وتأسيس “قوة استقرار دولية” (ISF) بتمويل مشترك وضخم من دول العالم.
هذا المخطط يصطدم مباشرة برغبة نتنياهو واليمين الإسرائيلي في الحفاظ على سيطرة أمنية وعسكرية مطلقة ومفتوحة داخل القطاع، ورفض أي أفق سياسي يقود مستقبلاً إلى دولة فلسطينية، وهو الشرط الذي تصر عليه قوى إقليمية كبرى مثل السعودية للمضي قدماً في مسار التطبيع الكامل.
ب. الجبهة اللبنانية وخطوط بيروت الحمراء
شهدت كواليس الاتصالات بين الرجلين توترات عاصفة وصلت إلى حد توجيه ترامب تحذيرات شديدة اللهجة لنتنياهو لمنع شن غارات واسعة وتدميرية على بيروت قد تؤدي إلى انهيار التفاهمات الهشة.
بالنسبة لترامب، فإن أي تصعيد غير منضبط في لبنان يهدد بجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة تحرق أسواق النفط، وتفسد مساعيه لإبرام اتفاقيات تهدئة كبرى. أما نتنياهو، فيرى في استمرار الضغط العسكري ضرورة سياسية داخلية وخارجية لإعادة سكان الشمال وفرض شروط أمنية صارمة تضمن إبعاد أي تهديد عن حدوده.
ج. المعادلة الإيرانية: خيار التفاوض أم خيار الحسم العسكري؟
رغم الهجمات المتبادلة والتوترات العالية مع طهران، تميل إدارة ترامب بقوة نحو خيار “مذكرة تفاهم (MOU) لوقف التصعيد وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز”، رغبةً في خفض أسعار الطاقة عالمياً وتجنب الدخول في مستنقع عسكري مباشر.
لكن نتنياهو يبني حساباته الإستراتيجية على أن الفرصة سانحة الآن لتوجيه ضربات قاصمة ومستمرة للمشروع النووي الإيراني وشل أذرع طهران بالكامل، معتبراً التهدئة السياسية مجرد “منح وقت” لإيران لالتقاط الأنفاس.
خلاصة التحليل:
المخطط الحقيقي للشرق الأوسط لا يُرسم اليوم بالتوافق الكامل، بل يُصاغ عبر “شد وجذب” عنيف بين رغبة ترامب في إغلاق ملفات الحروب والالتفات للاقتصاد الأمريكي، ورغبة نتنياهو في استثمار اللحظة العسكرية الراهنة لفرض واقع جيوسياسي جديد يضمن بقاءه السياسي وأمن إسرائيل لجيل كامل. إن نجاح أحدهما في فرض رؤيته سيتوقف على مدى قدرة ترامب على استخدام أوراق الضغط المالي والعسكري، ومدى قدرة نتنياهو على الصمود أمام الضغوط السياسية الدولية والأمريكية.
لمزيد من الفهم حول جذور هذا التوتر الإستراتيجي وكيف تفجرت الخلافات خلف الكواليس بشأن الهجمات الأخيرة، حيث يسلط الضوء على تداعيات حرب الأنفاق وضغوط الفواتير الاقتصادية للحرب على صانعي القرار.



