صحف وتقارير

دبلوماسية التسريبات.. كيف أدار ترامب وطهران معركة الإعلام قبل الاتفاق؟

بقلم احمد شتيه 

مع اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهمات جديدة بشأن الملف النووي وعدد من الملفات الإقليمية العالقة، يبرز سؤال مهم حول الدور الذي لعبه الإعلام خلال جولات التفاوض الطويلة، فالمفاوضات لم تكن تجرى فقط خلف الأبواب المغلقة، بل امتدت إلى شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء العالمية، حيث تحولت الرسائل الإعلامية إلى أدوات ضغط ومساومة لا تقل أهمية عن الأوراق السياسية والدبلوماسية.

 

لقد أدرك الطرفان مبكراً أن الرأي العام المحلي والدولي جزء من ساحة التفاوض، وأن إدارة الصورة الذهنية لا تقل أهمية عن إدارة طاولة المفاوضات نفسها.

 

اعتمدت إيران خلال مراحل التفاوض المختلفة على استراتيجية إعلامية تقوم على إظهار الصمود والقدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والعسكرية.

فكلما تصاعد الحديث عن العقوبات أو التهديدات العسكرية، كانت وسائل الإعلام الإيرانية والمسؤولون الإيرانيون يركزون على رسائل تؤكد استمرار برامج التخصيب النووي وتطوير القدرات الدفاعية.

كما حرصت طهران على تسريب معلومات متعمدة حول حجم مخزون اليورانيوم المخصب وقدراتها التقنية، بهدف تعزيز موقفها التفاوضي وإقناع الطرف الآخر بأن سياسة الضغوط القصوى لم تحقق أهدافها.

وفي الوقت ذاته، كانت الرسائل الإعلامية الإيرانية توجه إلى الداخل الإيراني لإظهار أن أي اتفاق محتمل سيكون نتيجة صمود الدولة وليس نتيجة رضوخ للضغوط الأمريكية.

 

في المقابل، استخدمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة الإعلام كوسيلة للضغط النفسي والسياسي على إيران، عبر تسريب معلومات عن قرب التوصل إلى اتفاق أو التهديد بفشل المفاوضات وفرض عقوبات إضافية.

غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل هذه الاستراتيجية إلى مستوى مختلف، حيث جعل الإعلام جزءاً أساسياً من أدوات التفاوض وإدارة الأسواق في الوقت نفسه.

فخلال سنوات وجوده في البيت الأبيض، ثم خلال حملاته السياسية اللاحقة، اعتاد ترامب استخدام التصريحات المفاجئة والمنشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإحداث تأثيرات فورية في الأسواق المالية وأسواق الطاقة.

 

تميز ترامب بقدرته على تحريك الأسواق العالمية من خلال تصريح أو منشور واحد ، فالإعلان عن تقدم في المفاوضات مع إيران كان يدفع أسعار النفط إلى التراجع نتيجة توقعات بزيادة الإمدادات النفطية الإيرانية مستقبلاً.

وفي المقابل، كانت التصريحات المتشددة أو الحديث عن احتمالات المواجهة العسكرية تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة المخاوف لدى المستثمرين.

كما كانت البورصات العالمية تتفاعل بصورة مباشرة مع أي تصريحات تتعلق بالعقوبات أو الاتفاقات التجارية أو الملفات الجيوسياسية، ما جعل المستثمرين يترقبون كلمات ترامب كما يترقبون البيانات الاقتصادية الرسمية.

هذه الظاهرة خلقت ما أطلق عليه بعض المحللين “اقتصاد التصريحات”، حيث أصبحت الرسائل السياسية عاملاً مؤثراً في قرارات المستثمرين وحركة رؤوس الأموال العالمية.

 

كان سوق الطاقة أحد أكثر القطاعات تأثراً بالمواجهة الإعلامية بين واشنطن وطهران ، فكل حديث عن تقدم في المفاوضات كان يعني احتمال عودة ملايين البراميل الإيرانية إلى الأسواق العالمية، وهو ما يضغط على الأسعار نزولاً.

أما عند تصاعد التوترات العسكرية أو التلويح بإغلاق الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز، كانت الأسعار تتجه للارتفاع بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات العالمية.

وبذلك تحولت الأخبار والتسريبات والتصريحات إلى عوامل مؤثرة بشكل مباشر في معادلة العرض والطلب العالمية.

 

في جوهر الأمر، لم يكن الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل كان جزءاً من المعركة التفاوضية نفسها، إيران استخدمته لإظهار الصمود وتعزيز موقفها التفاوضي، والولايات المتحدة استخدمته لزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية.

أما ترامب فقد تعامل معه باعتباره أداة متعددة الوظائف؛ تخاطب الناخب الأمريكي، وتضغط على الخصوم، وتؤثر في الأسواق العالمية في الوقت ذاته.

الخلاصة

تكشف تجربة المفاوضات الأمريكية الإيرانية أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح أحد أهم أدوات القوة الناعمة في العلاقات الدولية، فالتسريبات المدروسة والتصريحات المحسوبة والرسائل المتبادلة عبر وسائل الإعلام أصبحت جزءاً لا يتجزأ من أدوات التفاوض الحديثة.

كما أظهرت التجربة أن الرئيس دونالد ترامب نجح في توظيف الإعلام بصورة غير مسبوقة للتأثير في اتجاهات الأسواق المالية وأسواق الطاقة، محولاً التصريحات السياسية إلى عامل اقتصادي مؤثر عالمياً.

وفي حال نجاح الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، فإن أحد أبرز الدروس المستفادة سيكون أن معركة الإعلام كانت في كثير من الأحيان لا تقل أهمية عن معركة التفاوض نفسها، وأن السيطرة على الرواية الإعلامية أصبحت أحد مفاتيح تحقيق المكاسب السياسية والاقتصادية في عالم تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد والأسواق بشكل غير مسبوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock