
أكدت الكاتبة الاستاذه نور سمير فرج أن قراءة ما يتم في ساحة الإعلام المصرية، وقراءة كواليس صناعة الوعي الوطني، فإن الحدث الذي شهدته أروقة مؤسسة الأهرام العريقة لم يكن احتفالية عابرة تمر في شريط الأخبار اليومي، بل كنا أمام مشهد “إعادة اعتبار” متكامل الأركان؛ مشهد يُرسخ تقليدًا جديدًا في قلب المجتمع الصحفي المصري، ويُعيد رسم موازين القوى الثقافية والفكرية لصاحبات القلم اللواتي حفرن بمدادهن معالم الهوية المصرية.
إن احتفالية “المرأة والكلمة” في دورتها الأولى، والتي تزامنت مع الاحتفاء بمرور 150 عامًا على تأسيس الأهرام، جاءت لتطرح فلسفة جديدة في التمكين؛ تمكين لا ينطلق من الشعارات الرنانة، بل ينبثق من وعي حقيقي بضرورة تقدير الشريك الأصيل في صناعة الفكر، وإدراك عميق بأن الصحافة المصرية لم يشيد الرجال صروحها بمفردهم.
حين نتأمل المبادرة، نجد أن الفكرة التي رسمت ملامحها الكاتبة الصحفية سوسن مراد عز العرب، رئيس تحرير مجلتي “البيت” و”نص الدنيا”، لم تكن مجرد رغبة في التكريم البروتوكولي، بل عكست إحساسًا عاليًا بضرورة تمكين المرأة من داخل كواليس المجتمع الصحفي نفسه. لقد نجحت هذه الرؤية في تحويل الاحتفالية إلى منصة حية تعبر عن تطلعات الصحفيات، وتقدم رسالة قوية للأجيال الجديدة بأن كل قلم نسائي أسهم في تنوير هذا المجتمع سيظل محفورًا في ذاكرة الوطن.
ولعل ما يمنح هذا الحدث ثقله الاستراتيجي والموضوعي، هو تلك الروح التي أدارت بها اللجنة الاستشارية عملها. تحت رعاية الهيئة الوطنية للصحافة، تجلت موضوعية اللجنة في تجاوزها للأطر الضيقة أو التحيزات المؤسسية؛ فالتكريم لم ينغلق على أبناء “الأهرام” وحدها، بل اتسع برؤية قومية شاملة ليتضمن قامات وصاحبات بصمة يمثلن كافة المؤسسات الصحفية القومية الكبرى في مصر، من “أخبار اليوم” و”دار الهلال” و”الجمهورية” و”روز اليوسف”. هذا التنوع لم يكن مجرد تنوع في الأسماء، بل كان إقرارًا موضوعيًا بأن معركة الوعي خاضتها المرأة المصرية على جبهات متعددة وفي منابر مختلفة.
إن القراءة الدقيقة لقائمة المكرمات والراحلات تكشف عن معيار صارم يعتمد على حجم العطاء والأثر؛ فالمشهد جمع بين رائدات عاصرن مراحل التأسيس والتحول، وبين معاصرات يواصلن العطاء. من أمينة شفيق، وسكينة فؤاد، وسناء السعيد، وآمال بكير، وصفية مصطفى أمين، وصولًا إلى اللمسة الإنسانية والقومية بامتياز عبر التكريم الخاص للإعلامية الفلسطينية منى عوكل، كتحية صمود لجميع الصحفيات والإعلاميات الفلسطينيات.
ولم تغب “أمانة الذاكرة” عن المنظمين، إذ شهدت الاحتفالية لفتة وفاء بالغة الأهمية من خلال استحضار أسماء الراحلات اللاتي تركن بصمات لا تُمحى في تاريخ المهنة، أمثال فاطمة اليوسف، وأمينة السعيد، وحسن شاه، ورينيه تقلا، وبيتسي تقلا، وغيرهن من المبدعات. هذا الاستدعاء التاريخي يؤكد أننا أمام مؤسسة تعي تمامًا مفهوم “الامتداد المعرفي” وتحترم أصول المهنة وتاريخها.
بل لم يقتصر التكريم على أبناء مؤسسات الأهرام فقط، وإنما امتد ليشمل رموزًا وصاحبات قلم من مختلف المؤسسات الصحفية القومية الأخرى، وأخص بالذكر الكاتبة الصحفية القديرة ماما نعم الباز، التي عشقت قلمها وشخصيتها منذ أن كنت فتاة مصرية صغيرة تقرأ لها في مجلة “آخر ساعة” و”أخبار اليوم”.
ولأن التمكين الحقيقي يتطلب أدوات تواكب العصر، لم تكتفِ الاحتفالية بالماضي والحاضر، بل أطلقت سهمًا نحو المستقبل عبر التدشين الفعلي لبوابة “الأهرام ستايل” الإلكترونية. هذه المنصة تمثل امتدادًا رقميًا متطورًا ومدروسًا يعكس رؤية وإحساس مجلتي “البيت” و”نص الدنيا” في تناول قضايا المرأة والأسرة وبناء الإنسان، بطرح متزن وعصري، لتكون معبرًا حقيقيًا للكاتبات من أجيال مختلفة.
إن ما حدث في احتفالية “المرأة والكلمة” هو بداية لتقليد سنوي راسخ كان لابد منه. إنه خطوة استراتيجية جادة تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتثبت أن قوة مصر الناعمة وصحافتها العريقة استمدت بريقها من أقلام نسائية صلبة، دافعت عن الفكر وصنعت الوعي سطرًا بسطر.
لذلك أدعو من هنا إلى تعميم هذه التجربة، نحو تكريم المفكرات والأستاذات، ليس في مجال الصحافة فقط، بل في مختلف المجالات الأخرى، مثل العلوم والثقافة والفنون… وغيرها، تقديرًا لدور المرأة المصرية التي كانت وما زالت أحد أعمدة هذا المجتمع.
ولعل اهتمام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بدور المرأة في المرحلة الحالية، وما أعلنه من دعم لوجود المرأة المصرية في البرلمان وفي مختلف مؤسسات الدولة، إلى جانب دعوته لإصلاح قوانين الأسرة بما يحقق مزيدًا من العدالة والحماية للمرأة المصرية، كل ذلك يدعونا إلى الاهتمام بالمرأة باعتبارها أساس المجتمع المصري، والعنصر الرئيسي في بناء الأسرة وصناعة الأجيال القادمة.
وأتمنى أن تتولى هذه المبادرة مؤسسة الأهرام العريقة، لتصبح المرأة المصرية هي محور وأساس الاحتفالات الثقافية القادمة، بهدف تعريف الأجيال الجديدة بما قدمته رائدات الحركات النسائية المصرية في مختلف المجالات، ليكنَّ نموذجًا مُلهِمًا وحافزًا لفتيات الجيل الجديد، وهن يتعرفن على ما قدمته المرأة المصرية عبر تاريخ مصر الطويل من عطاء وإنجازات.
وأعتقد أن خير من يقود هذه الصحوة الثقافية الراقية هي مؤسسة الأهرام، بما تمتلكه من تاريخ عريق ودور وطني وفكري كبير، لتظل الأهرام رائدة في إعادة الاعتبار لسيدات مصر، اللاتي يمثلن أساس بناء المجتمع المصري وصناعة وعيه عبر الأجيال.



