مقالات وآراء

السلطة الرابعة: هل ما زالت الصحافة قادرة على مراقبة صناع القرار

دكتور احمد ابراهيم حنفي 

شهد العالم على مدى قرون طويلة تحولات جذرية في بنية المجتمعات وفي طريقة إدارة الحكم غير أن الثابت الوحيد الذي ظل مرافقا لتطور الأنظمة الديمقراطية هو حاجة الشعوب إلى عين ساهرة تراقب من يتولون السلطة ومن هنا نبع مصطلح السلطة الرابعة ليشير إلى الصحافة باعتبارها الكيان الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع ليمثل ضمير المجتمع ويوجه بوصلة الرأي العام نحو الحقائق التي قد يرغب البعض في إخفائها وإذا كان هذا المفهوم قد ترسخ في الأذهان كحصن منيع لحماية الحقوق والحريات فإن الواقع المعاصر يفرض علينا إعادة طرح السؤال الجوهري لمعرفة هل ما زالت الصحافة قادرة بالفعل على مراقبة صناع القرار في ظل الثورة الرقمية المعقدة وتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية

في العقود الماضية كانت الصحافة التقليدية المتمثلة في الصحف الورقية والشاشات التلفزيونية تمتلك أدوات قوية تمكنها من هز عروش المسؤولين وإجبارهم على التنحي أو تعديل مساراتهم السياسية وكانت التحقيقات الاستقصائية تأخذ شهورا من البحث والتدقيق لتخرج بنتيجة تهز الرأي العام وتجبر الجهات القضائية على التحرك لكن المشهد اليوم اختلف بصورة تامة حيث تحولت وسائل الإعلام من منابر مستقلة إلى مؤسسات ضخمة تخضع لشروط السوق وتحكمها لغة الأرقام والأرباح وهذا التحول الرأسمالي جعل العديد من المؤسسات الصحفية تقع تحت طائلة التمويل الموجه أو التبعية لرجال أعمال يملكون أجندات سياسية واضحة مما يضعف قدرة الصحفي على توجيه النقد اللازم لصناع القرار خوفا من قطع شريان الدعم المالي

علاوة على ذلك فإن الطفرة التكنولوجية وظهور منصات التواصل الاجتماعي قد غيرا قواعد اللعبة بشكل كامل فمن ناحية منحت هذه المنصات صوتا لمن لا صوت له وأتاحت للمواطن العادي أن يصبح صحفيا ينقل الحدث بالصوت والصورة مما خلق نوعا جديدا من الرقابة الشعبية التي لا يمكن السيطرة عليها ومن ناحية أخرى مكنت هذه التكنولوجيا صناع القرار أنفسهم من الاستغناء عن الوسيط الإعلامي التقليدي فأصبح بإمكان رئيس الدولة أو الوزير أو المسؤول الكبير أن يوجه خطابه مباشرة إلى الجمهور عبر حساباته الشخصية دون الحاجة إلى مواجهة أسئلة الصحفيين المحرجة أو الخضوع لمشرط التحليل والتدقيق الصحفي مما أفقد الصحافة جزءا كبيرا من هيبتها وقدرتها على المحاسبة

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن صناع القرار أنفسهم طوروا أساليب مبتكرة للالتفاف على الرقابة الصحفية مستغلين في ذلك ظاهرة الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة فعندما يواجه مسؤول ما تحقيقا صحفيا يكشف فساده يعمد فورا إلى استخدام جيوشه الإلكترونية لتشويه سمعة الصحيفة أو التقليل من مصداقية الصحفي وتحويل القضية إلى صراع شخصي أو مؤامرة سياسية مما يشتت انتباه الجمهور ويفقد التحقيق الصحفي قيمته وتأثيره الفعلي وبذلك تحولت الساحة الإعلامية من ميدان لكشف الحقائق إلى ساحة حرب رقمية يمتلك فيها صاحب النفوذ والمال الأدوات الأقوى لتوجيه الرأي العام وصناعة السردية التي تخدم مصالحه

ورغم هذه التحديات الجسيمة والظروف المعقدة التي تحيط بالعمل الصحفي فإنه من الظلم والحكم المتسرع القول بأن الصحافة قد فقدت تماما قدرتها على مراقبة السلطة فالصحافة الحقيقية لم تمت بل إنها تكيفت مع العصر وظهرت كيانات صحفية مستقلة جديدة تعتمد على التمويل الجماعي من القراء أو تدار بواسطة منظمات غير ربحية تهتم بالتحقيقات الاستقصائية العابرة للحدود وقد أثبتت هذه الكيانات في محطات عديدة قدرتها الفائقة على تتبع الأموال المهربة وكشف ملفات الفساد الكبرى التي تورط فيها قادة وزعماء حول العالم مما يؤكد أن جوهر السلطة الرابعة لا يزال حيا ونابضا متى ما توفرت الإرادة الحرة والمهنية العالية

إن القدرة الحالية للصحافة على مراقبة صناع القرار لم تعد تقاس بمدى انتشار الصحيفة الورقية أو بنسبة مشاهدة النشرة الإخبارية بل باتت تقاس بمدى وعي المجتمع وتفاعله مع ما ينشر فالصحافة اليوم تقدم المادة الخام وتكشف المستور لكن القوة الحقيقية للتغيير تكمن في يد الجمهور الذي يتلقى هذه المعلومات فإذا تحرك الرأي العام وضغط عبر الوسائل المتاحة تحولت الرقابة الصحفية إلى قوة ردع حقيقية تحسب لها السلطة ألف حساب أما إذا قوبلت الحقائق باللامبالاة فإن أرقى التحقيقات الصحفية ستبقى مجرد حبر على ورق

في نهاية المطاف يمكن القول إن الصحافة لم تفقد سلطتها بل تغيرت أدواتها وظروف عملها وهي لا تزال قادرة على مراقبة صناع القرار ومحاسبتهم وإن كان ذلك يتطلب اليوم جهدا مضاعفا وشجاعة أكبر لمواجهة الضغوط المتزايدة وتظل السلطة الرابعة ضرورة حتمية لاستقامة أي مجتمع وبدونها تصبح القرارات السياسية والاقتصادية رهينة الغرف المغلقة بعيدا عن أعين الشعب الذي هو مصدر السلطات جميعا والضامن الأول لاستمرار مسيرة الإصلاح والبناء المستدام في كل زمان ومكان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock