مقالات وآراء

أروقة القانون… وحياة الناس «جمال عبد الناصر… ذكرى لا تموت»

بقلم: حسين عبيد

تمر السنوات، وتتغير الأجيال، لكن هناك رجالًا لا يرحلون، لأنهم لا يعيشون في كتب التاريخ وحدها، بل في ذاكرة الشعوب ووجدانها.
ومن بين هؤلاء يظل اسم جمال عبد الناصر حاضرًا، ليس باعتباره رئيسًا حكم مصر، وإنما باعتباره رمزًا صنع مرحلة كاملة من تاريخها الحديث.
من هو جمال عبد الناصر؟ ومن هو ناصر الذي ما زالت صورته تغطي شرخ أحد حوائط الجدران في كثير من البيوت المصرية؟ لم تعد تلك الصورة مجرد إطارٍ مُعلَّق على حائط، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة المكان، وشاهدًا على زمن آمن فيه البسطاء بأن هذا الرجل كان واحدًا منهم.
ومن هو ناصر الذي ازدحمت الشوارع بملايين المصريين في جنازة لم يشهد التاريخ المصري الحديث لها مثيلًا؟ ومن هو ناصر الذي انتصر للفقراء والمستضعفين، وانحاز إلى البسطاء، وجعل العدالة الاجتماعية عنوانًا لمشروعه الوطني؟ إنه جمال عبد الناصر.
كان عبد الناصر زعامةً مصريةً وعربيةً وأفريقيةً استثنائية، ارتبط اسمه بأحلام الملايين من الفقراء والضعفاء والمهمشين، وبشعارات الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
خرج من قلب مصر، من بيئة بسيطة، ليصبح أحد أبرز القادة الذين تركوا أثرًا عميقًا في تاريخ القرن العشرين، ولم يكن تأثيره مقصورًا على مصر وحدها، بل امتد إلى العالم العربي وأفريقيا، حيث أصبح رمزًا للتحرر الوطني والاستقلال.
ولم يكن عبد الناصر مجرد رئيس دولة، بل تحول إلى ظاهرة مصرية فريدة. فقد استطاع بخطابه السياسي وشخصيته الكاريزمية أن يخلق حالة من الالتفاف الشعبي قلما تتكرر، وربط المصريون والعرب اسمه بالأمل في مستقبل أكثر استقلالًا وعدالةً.
ولهذا ظل حاضرًا في الوجدان الشعبي حتى بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.
وحين يُذكر جمال عبد الناصر، تتداعى إلى الأذهان محطات صنعت تاريخ أمة؛ تأميم قناة السويس عام 1956، والصمود في مواجهة العدوان الثلاثي، وبناء السد العالي، والتوسع في مجانية التعليم، ودعم الصناعة الوطنية، والإصلاح الزراعي، ومساندة حركات التحرر في الوطن العربي والقارة الأفريقية. وهي إنجازات صنعت له مكانة استثنائية في التاريخ، وجعلت اسمه مقترنًا بمشروع الدولة الوطنية الحديثة.
وعلى المستوى العربي، لم يكن عبد الناصر قائدًا لمصر فقط، بل أصبح رمزًا للقومية العربية، وصوتًا داعمًا لحركات التحرر والاستقلال. وكانت القاهرة في عهده قبلةً للمناضلين والسياسيين من مختلف أنحاء العالم العربي وأفريقيا، وهو ما منح مصر مكانة إقليمية ودولية بارزة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن تجربة جمال عبد الناصر، كغيرها من التجارب السياسية الكبرى، لم تكن خالية من الأخطاء والتحديات.
فالتاريخ لا يُكتب بلغة التقديس، ولا يُقرأ بمنطق الإدانة المطلقة. فقد شهدت تلك المرحلة نجاحات كبيرة، كما شهدت إخفاقات مؤلمة، كان أبرزها نكسة يونيو 1967، التي تركت أثرًا بالغًا في الوجدان المصري والعربي، وما زالت محل دراسة وتحليل حتى اليوم.
قد يختلف الناس حول سياسات جمال عبد الناصر، وقد تتباين قراءاتهم لتجربته، لكنهم يتفقون على أنه كان أحد أبرز صُنَّاع التاريخ المصري الحديث.
فالزعماء الحقيقيون لا يُقاسون بعدد سنوات الحكم، بل بما يتركونه من أثر في ضمير الأمة.
ولعل أبلغ ما يمكن أن يُقال عنه أن صورته لم تبقَ معلقة على الجدران فحسب، بل بقيت معلقة في ذاكرة ملايين المصريين والعرب.
فهناك صور تُعلَّق للزينة، وصور تُعلَّق للذكرى، أما صورة جمال عبد الناصر، ففي بيوت كثيرة كانت وما زالت تغطي شرخ أحد الحوائط، وكأنها تقول إن بعض الرجال لا يرممون الجدران فقط، بل يتركون أثرًا في وجدان الأوطان.
رحل جمال عبد الناصر الإنسان، لكن بقي عبد الناصر الرمز، وبقيت ذكراه لا تموت، لأن التاريخ قد يطوي الصفحات، لكنه لا يمحو أسماء الذين صنعوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock