دين ومجتمع

حديث الجمعة أخلاقيات ضاعت في زمن المادة الوفاء

كتبت /منى منصور السيد 

 

أهلاً بكم يا أصدقائي في حلقتنا الثانية من “حديث الجمعة”. في زمنٍ تسرع فيه خطى الأيام، وتطغى فيه لغة الأرقام والمصالح المادية على الكثير من تفاصيل حياتنا، نجد أنفسنا في حاجة ماسة للتوقف برهة، لنتأمل في قيم وأخلاقيات كادت تذوب في زحام هذا العصر الصاخب. واليوم، نفتح قلوبنا وعقولنا لنتحدث عن قيمة عليا، هي بمثابة الحبل السري الذي يربط القلوب ويحفظ العهود؛ نتحدث عن الوفاء بصورته الأوسع والأشمل.

حين نذكر الوفاء، قد يتبادر إلى الذهن فوراً ذلك الإخلاص التقليدي بين الأصدقاء أو الشركاء، لكن الوفاء في جوهره أعمق من ذلك بكثير؛ إنه ثقافة حياة، ومبدأ لا يتجزأ، يبدأ من وفاء الإنسان مع نفسه، ويمتد ليشمل كل تفاصيل وجوده.

إن الوفاء الأسمى يبدأ من الوفاء للقيم والمبادئ التي نؤمن بها. في عالمٍ مادي يغري المرء بالتنازل عن ثوابته من أجل كسب سريع أو منفعة عابرة، يصبح التمسك بالمبدأ نوعاً من الجهاد النبيل. الوفاء هنا يعني ألا تباع المبادئ في سوق المزايدات، وأن يظل الإنسان أميناً لضميره، مستمسكاً بحقه، حتى وإن كان السير في هذا الطريق وعراً ومكلفاً.

ثم يتجلى الوفاء في أبهى صوره حين يلتفت الإنسان إلى صناع أفضاله. وفاء الأبناء للآباء، ووفاء التلاميذ للمعلّمين، ووفاء المرء لكل يدٍ امتدت إليه يوماً بطلب أو مساندة. في زمن المادة، يتناسى البعض أولئك الذين عبّدوا لهم طرق النجاح بمجرد أن يصلوا إلى القمة، لكن الوفاء الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان ينظر إلى الخلف دائماً بعين الامتنان، مدركاً أن الجحود ينقص من مروءة صاحبه، وأن الاعتراف بالفضل دليل على نبل المعدن.

ولا ينفصل عن ذلك الوفاء للوعود والعهود، صغرت أم كبرت. الكلمة في الميزان الأخلاقي هي عهد وميثاق، وليست مجرد حبر على ورق أو عبارات تذروها الرياح. الوفاء بالوعد — حتى وإن تغيرت الظروف أو لاحت في الأفق خيارات أكثر ربحاً — هو المحك الفعلي لمصداقية الإنسان وأمانته.

وفي الدائرة الأكبر، نجد الوفاء للأوطان والمجتمعات التي عشنا تحت سمائها وأكلنا من خيراتها. الوفاء للوطن ليس شعارات تُرفع، بل هو إتقان في العمل، وحرص على المصلحة العامة, ورغبة صادقة في ترك أثر طيب يسهم في بناء المجتمع ورفعة شأنه، بعيداً عن الأنانية وتغليب المصالح الشخصية الضيقة.

إن غياب الوفاء بصورته الواسعة يحول المجتمعات إلى غابات جافة، تحكمها المادة وتتحكم في علاقاتها المصالح المؤقتة. أما إحياء هذه القيمة، فهو بمثابة إعادة الروح إلى جسد العلاقات الإنسانية، لتبنى على الثقة والأمان والعمق.

في نهاية حديثنا اليوم، دعونا نتأمل في تفاصيل أيامنا، ولنفتش في زوايا علاقاتنا وعهودنا؛ فما زال في الوقت متسع لنكون من الأوفياء، ولنثبت لأنفسنا وللعالم أن الأخلاق النبيلة تظل أرسخ وأبقى من كل بريق مادي زائل.

طابت جمعتكم بكل خير ووفاء، ونلتقي في حديث قادم بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock