مقالات وآراء

حين يعمى الإنسان عن عيوبه

بقلم /أيمن بحر

 

ليست كل القلوب التى تؤذى تدرك أنها تؤذى وليس كل من يسير فى طريق الخطأ يعلم أنه أخطأ فهناك من تحجب الغفلة بصيرته حتى يرى نفسه دائمًا فى موضع الصواب ويرى الآخرين جميعًا فى موضع الاتهام

إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس الخطأ ذاته بل أن يفقد القدرة على رؤية خطئه وأن يعتاد تبرير أفعاله حتى تصبح أخطاؤه فى نظره فضائل وعيوبه مزايا لا تستحق المراجعة عندها يتحول إلى قاضٍ يحاكم الناس كل يوم بينما يعفي نفسه من كل محاسبة

كثيرون يتقنون البحث عن العيوب في وجوه الآخرين ويغفلون عن المرآة التى تكشف عيوبهم هم يفتشون فى الكلمات ويلاحقون الزلات ويضخمون الهفوات الصغيرة وكأنهم خلقوا بلا نقص أو تقصير بينما الحقيقة أن النفس البشرية أولى بالنقد وأحق بالمراجعة من كل ما سواها

ولعل من أعظم الحكم التي تناقلتها الأجيال أن أكثر الناس انشغالًا بعيوب الآخرين هم أكثرهم هروبًا من مواجهة عيوب أنفسهم فصاحب القلب الواعى ينشغل بإصلاح ذاته ويعلم أن رحلة التقويم تبدأ من الداخل أما المتكبر فلا يرى إلا أخطاء الناس لأنه لا يملك الشجاعة الكافية لينظر إلى أخطائه هو

إن الإنسان النبيل لا يرفع نفسه بإسقاط غيره ولا يبحث عن مكانته في هدم صورة الآخرين بل يسمو بأخلاقه وتواضعه وإنصافه ويعلم أن الرحمة التى يرجوها لنفسه يجب أن يمنحها للناس وأن العذر الذي يتمناه عند زلته ينبغي أن يلتمسه لغيره عند زلاتهم

ما أجمل أن يقف المرء مع نفسه وقفة صدق بعيدة عن ضجيج التبرير وأن يسأل قلبه قبل أن يسأل الناس وأن يحاسب ذاته قبل أن يحاسب غيره فالبداية الحقيقية للإصلاح ليست في كشف أخطاء الآخرين وإنما في الاعتراف بأخطائنا والعمل على إصلاحها

رحم الله امرأً عرف قدر نفسه فلم تغره الأوهام ولم يعمه الكبر عن رؤية عيوبه وجعل من محاسبة ذاته طريقًا إلى النضج ومن التواضع سبيلًا إلى الحكمة ومن الإنصاف منهجًا في التعامل مع الناس فبذلك ترتقي النفوس وتصفو القلوب ويصبح الإنسان أقرب إلى الحق وأقرب إلى إنسانيته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock