دين ومجتمع

رأس السنة الهجرية.. أعظم رحلة صنعت أمة

بقلم : طارق فتحي السعدني

تتجه الأنظار كل عام هجري جديد يمر علينا إلى حدث عظيم لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان ولا رحلة عبر الصحراء من مكة إلى المدينة،

بل كان نقطة تحول صنعت حضارة وغيرت وجه التاريخ وأثبتت أن الأفكار العظيمة لا تقاس بحجم بدايتها وإنما بعظمة ما تتركه من أثر.

 

فالهجرة النبوية الشريفة لم تكن هروبا من واقعٍ صعب بل كانت صناعة لواقعٍ جديد.

 

كانت إعلانا عمليا أن الإنسان قد يجبر على مغادرة الأرض لكنه لا يجبر أبدا على التخلي عن مبادئه

 

وهنا تكمن عظمة رأس السنة الهجرية؛

 

فهي ليست ذكرى زمنية نبدل فيها الأرقام على صفحات التقويم، وإنما دعوة متجددة لمراجعة الذات واستعادة القدرة على الانطلاق نحو الأفضل.

 

فإذا تأملنا المشهد نجد أن رسول الله (صل الله عليه وسلم) لم يهاجر وحده،

 

بل هاجرت معه فكرة الحق ورسالة البناء وقيم العدل والرحمة والتعايش.

 

ومن رحم تلك الرحلة ولدت دولة ونشأت أمة وأشرقت حضارة امتد نورها إلى أنحاء العالم.

 

ولعل السؤال الأهم الذي تطرحه علينا الهجرة اليوم لماذا نهاجر نحن؟

 

هل نهاجر من اليأس إلى الأمل؟ ومن السلبية إلى العمل؟

 

ومن الخلاف إلى التوافق؟

 

ومن الهدم إلى البناء؟

 

إن المجتمعات لا تتقدم بالأمنيات وإنما بإرادة التغيير. والهجرة في مفهومها الأوسع هي انتقال الإنسان من حال أقل إلى حال أفضل ومن دائرة الشكوى إلى دائرة الإنجاز.

 

وفي مصرنا الغالية التي تواجه تحديات كبيرة وتسعى في الوقت ذاته إلى صناعة مستقبل أكثر إشراقًا،

 

تبدو معاني الهجرة أكثر حضورا من أي وقت مضى. فكل مشروع تنموي ناجح هو هجرة من التخلف إلى التقدم،

 

وكل خطوة نحو الاستقرار هي هجرة من الفوضى إلى النظام، وكل يدٍ تبني وتعمر هي امتداد لرسالة العمل التي حملتها الهجرة النبوية منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.

 

وربما كان أجمل ما في رأس السنة الهجرية أنه لا يأتينا محمّلا بضجيج الاحتفالات الصاخبة،

 

بل يأتي هادئا يحمل رسالة عميقة مفادها أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل،

 

وأن أعظم الرحلات هي تلك التي يقطعها الإنسان نحو نفسه ليصلحها ويهذبها ويعيد اكتشاف رسالته في الحياة.

 

إن الهجرة تعلمنا أن الطريق إلى النجاح قد يكون مليئا بالعقبات، وأن النصر قد يتأخر لكنه لا يغيب، وأن أصحاب الرسالات الكبرى لا يقيسون خطواتهم بطول الطريق بل بسمو الهدف.

 

ومع إشراقة عام هجري جديد تبقى الهجرة درسا خالدا للأفراد والشعوب والدول.

 

درسًا يقول إن المستقبل لا يُنتظر بل يُصنع،

 

وإن الأمم العظيمة هي التي تعرف كيف تحول المحن إلى منح والتحديات إلى فرص والأحلام إلى واقع.

 

كل عام وأنتم بخير وكل عام وأمتنا العربية والإسلامية أكثر قوة ووحدة واستقرارا،

 

وكل عام ومصر بخير تحفظ تاريخها وتصنع مستقبلها بثقة وعزيمة لا تلين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock